ومع تقديم الوثيقة وإلزام الدول بتنفيذها فهم على علم تام بما سيحدث لها من معارضات؛ فقد ربطوا هذه الانحرافات التي يُروّجون لها بالديمقراطية والازدهار، وذكروا أنهم سيُجابهون أياً من"رجال الدين"ممن تسوِّل له نفسه الاعتراض على هذه المطالب، أو رفض تعديل التَّعاليم الدِّينية كي تتماشى مع مخططهم؛ ولذلك فقد أشارت الوثيقة بوضوح إلى أن الدين يقف عائقاً أمام تحقيق هذه المقررات، فناشدت الوثيقة المؤسسات الدينية لكي تساعد على تحويل مقررات مؤتمر بكين إلى واقع بمعنى أن تصبح المؤسسات الدينية إحدى أدوات المرجعية الكونية الجديدة التي يتبناها النظام العالمي ويسعى لفرضها على العالم .
وأما عن ردات الفعل الدينية فقد حدث ما تنبأت به الوثيقة؛ لأن كثيراً مما أتت به وثيقة بكين لا يقرّ به العاقل وجميع الشرائع السماوية ترفضه تماماً. فالأزهر الشريف أبدى رفضه لمقررات المؤتمر، بل وحتى الكنيسة الشرقية والفاتيكان انزعجوا من المؤتمر واعترضوا على بنوده، وقد صدر بشأنه قرار من هيئة كبار العلماء بالسعودية، وقرار من المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، وكلاهما برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - ومما ذكر ابن باز في بيانه بعد أن تحدّث أنه اطلع عليه كاملاً وعلى مقرراته فقال:"والآن يأتي مؤتمر بكين، وقد تبنّت مسودة الوثيقة المقدمة للمؤتمر من الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة على مبادئ كفرية، وأحكام ضالّة في سبيل تحقيق ذلك، منها: الدعوة إلى إلغاء أي قوانين تميز بين الرجل والمرأة على أساس الدين، والدعوة إلى الإباحية باسم: الممارسة الجنسية المأمونة، وتكوين الأسرة عن طريق الأفراد، وتثقيف الشباب والشابات بالأمور الجنسية، ومكافحة التمييز بين الرجل والمرأة، ودعوة الشباب والشابات إلى تحطيم هذه الفوارق القائمة على أساس الدين، وأن الدين عائق دون المساواة... إلى آخر ما تضمنته الوثيقة من الكفر، والضلال المبين، والكيد للإسلام وللمسلمين، بل للبشرية جمعاء، وسلخها من العفة، والحياء، والكرامة؛ لهذا فإنه يجب على ولاة أمر المسلمين، ومن بسط الله يده على أي من أمورهم- أن يقاطعوا هذا المؤتمر، وأن يتخذوا التدابير اللازمة لمنع هذه الشرور عن المسلمين، وأن يقفوا صفاً واحداً في وجه هذا الغزو الفاجر، وعلى المسلمين أخذ الحيطة والحذر من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين"ا.هـ
وقد قامت اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل بإصدار تقرير يوضح التصور الإسلامي لما ورد في"وثيقة بكين"وسُمي بـ"التقرير البديل"، وهو يرفض إجمالاً: كل ما يدعو إلى الحرية الجنسية والإباحية، وكل أنواع العلاقات الجنسية خارج إطار الأسرة، وكان لهذا التقرير أصداء واسعة خاصة بعد أن تمّ توزيعه في بعض المؤتمرات التي عُقدت وطرحت الرؤية الإسلامية للمرأة بشكل جلي واضح، وكيف أن الإسلام حفظ لها كامل حقوقها ورفعها عن الدنس والرجس .
تود الزانية لو أن النساء كلهن زواني:
وأما هذه المجتمعات الغربية والتي قد شرعت مسبقاً في تنفيذ هذه القوانين الشاذة فقد عاد ذلك بالنكبات المتتابعة عليهم، وزادتهم تمزقاً وفرقة، وهنا لغة الأرقام تتحدث؛ فالإحصاءات والبيانات التي تصدر تباعاً من داخل المجتمعات الغربية تؤكد ذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر. تقول بعض المصادر الأمريكية: إن هناك حوالي مليون فتاة أمريكية من المراهقات يحملن كل عام ( خارج الزواج ) ، وأن حوالي300 )) ألف منهن دون سن الخامسة عشرة، وأن (400) ألف منهن يقدمن على الإجهاض .
كما تؤكد الدراسات العديدة الصادرة عن أشهر ثلاثة باحثين أمريكيين في السلوك الجنسي وهم ( كنزي و جونسون و ماستر ) أن 50% من الذكور الذين تمت دراسة حالتهم قد مارسوا الجنسية المثلية - والعياذ بالله - كما تؤكد دراسات أخرى أن مليون ونصف امرأة وفتاة يمارسن السحاق، وإلى غيرها من الأرقام المخيفة والمفجعة، والمنبئة بخطر داهم على هذه المجتمعات ذات الشهوات الحيوانية إن هم استمروا على فحشهم .
وها هو العالم الغربي في أوروبا يواجه حالة من العقم، إذ أدّى الانحلال الأخلاقي والشذوذ إلى عدم تعويض الأجيال العجوز بأجيال جديدة من المواليد، كما أن مؤسسة الأسرة تواجه الانقراض هناك، حيث ترتفع نسب الطلاق والامتناع عن الزواج، كما ترتفع نسبة الأولاد غير الشرعيين، وترتفع نسب الإلحاد، والمثير أن ذلك كله يتناسب تناسباً طردياً في حالة الدول ذات الوضع الرفاهي الأعلى، وفي أمريكا حيث يتمرد المهاجرون من آسيا والشرق الأوسط ودول أمريكا اللاتينية على برامج تنظيم الأسرة، وهو ما يحافظ على إبطاء شيخوخة المجتمع الأمريكي، وأظن أن الدمار الذي أصاب الغرب يريد أن يشاركه فيه العالم كله خاصة المسلمين ـ كالزانية التي تودّ أن لو صار الجميع مثلها .
إذن: