فهرس الكتاب
لقد كانت نظرية انتظار الإمام الغائب بمعناها السلبي المطلق تشكل الوجه الآخر للإيمان بوجود الإمام المعصوم ، ولازمة من لوازمها ؛ ولذلك فقد اتخذ المتكلمون الذين آمنوا بهذه النظرية موقفاً سلبياً من مسألة إقامة الدولة في عصر الغيبة ، وأصروا على التمسك بموقف الانتظار حتى خروج المهدي الغائب .
وقد نسبوا إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عز وجل . يعنون به خروج الغائب المنتظر ، وجعلوا الانتظار أحب الأعمال إلى الله ، والمنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان [18] .
وبالرغم من قيام الدولة البويهية الشيعية في القرن الرابع الهجري ، وسيطرتها على الدولة العباسية ، فإن العلماء الإماميين ظلوا متمسكين بنظرية الانتظار وتحريم العمل السياسي ، وقد قال محمد بن أبي زينب النعماني (توفي سنة 340هـ) في كتابه الغيبة: ( إن أمر الوصية والإمامة بعهد من الله تعالى وباختياره ، لا من خلقه ولا باختيارهم ؛ فمن اختار غير مختار الله وخالف أمر الله سبحانه ورد مورد الظالمين والمنافقين الحالِّين في ناره ) .
( كل راية تُرفع قبل راية المهدي فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله ) .
( كل بيعة قبل ظهور القائم فإنها بيعة كفر ونفاق وخديعة ) .
( واللهِ لا يخرج أحدٌ منا قبل خروج القائم إلا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به ) [19] .
وجاء في كتاب بحار الأنوار عن المفضل بن عمر ابن الصادق أنه قال: يامفضل كل بيعة قبل ظهور القائم فبيعة كفر ونفاق وخديعة ، لعن الله المبايع والمبايَع له ) [20] .
وكما أثَّرت قضية الإمامة والولاية فكذلك أَثَّرتْ نظرية ( الانتظار ) على موضوع حديثنا ، العمل الثوري ( الجهاد ) فتعطل ، وكان مُحرَّماً .
وقد نتج عن الالتزام بنظرية الانتظار ، وتفسير شرط الإمام المُجمَع عليه في وجوب الجهاد أنه الإمام المعصوم أن تَعَطَّلَ الجهاد في عصر الغيبة ؛ فقد اشترط الشيخ الطوسي في كتاب المبسوط في وجوب الجهاد اشترط ظهور الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره ، ولا يسوغ لهم الجهاد دونه ، أو حضور مَنْ نصَّبه الإمام للقيام بأمر المسلمين ، وقال بعدم جواز مجاهدة العدو متى لم يكن الإمام ظاهراً ، ولا مَنْ نصَّبه الإمام حاضراً ، وقال: ( إن الجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم ، وإن أصاب لم يؤجر وإن أصيب كان مأثوماً ) .
واعتبر ابن إدريس: ( أن الجهاد مع الأئمة الجُوّار أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم ، إن أصاب لم يؤجر وإن أُصيب كان مأثوماً ) ، وقال: ( إن المرابطة فيها فضل كبير إذا كان هناك إمام عادل ولا يجوز مجاهدة العدو من دون ظهور الإمام ) .
وصرح يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع بحرمة الجهاد من دون إذن إمام الأصل ، و ( أن وجوبه مشروط بحضور الإمام داعياً إليه أو من يأمره ) .
وبالرغم من قيام الدولة الشيعية الصفوية تحت رعاية المحقق الكركي الشيخ علي بن الحسين ، فإنه رفض تعديل الحكم في عصر الغيبة ، وحصر في كتاب (جامع المقاصد في شرح القواعد) وجوب الجهاد بشرط الإمام أو نائبه ، وفسَّر المراد بالنائب بـ ( نائبه المنصوص بخصوصه حال ظهور الإمام وتمكنه ، لا مطلقاً ) .
وأغفل الشيخ بهاء الدين العاملي بحث الجهاد في كتابه: (جوامع عباسي) وفسر سبيل الله في عصر الغيبة ببناء الجسور والمساجد والمدارس .
ولا يذكر أحدٌ من العلماء المعاصرين - كالكبايكاني والشاهرودي والخونساري والخوئي والقمي والشريعتمداري الذين يعلقون على العروة الوثقى - لا يذكرون شيئاً عن الجهاد أو تفسير كلمة سبيل الله به .
ومن هنا - وإذا استثنينا عدداً محدوداً جداً من الفقهاء الذين شككوا في تحريم الجهاد ، وربطه بالإمام العادل المعصوم - يكاد يكون إجماع الفقهاء الإمامية عبر التاريخ ينعقد على تحريم الجهاد ، بمعنى الدعوة للإسلام والقتال من أجل ذلك ، وخاصة لدى العلماء الأوائل منهم [21]
وقد قال الخميني: في عصر غيبة ولي الأمر وسلطان العصر عجل الله فرجه الشريف يقوم نوابه وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليه السلام إلا البدأة بالجهاد [22] .
فهكذا كانت هذه النظرية ( العقدية ) والسياسية عائقاً كبيراً أمام الشيعة الإمامية في الانطلاق إلى تحقيق عقيدة الثأر الكربلائية ، والانتقام ممن قتل الحسين - رضي الله عنه - وإن كان هذا الموقف ظاهرياً يُخفي خلفه أحلاماً توسعية فارسية [23] ؛ فقد بدأ الانقلاب على البدعة ببدع أخرى ؛ ولكنها هذه المرة تساعد على الخروج من هذه الشرنقة القاتلة التي وضعوا أنفسهم فيها بعد أن ضاقت عليهم بدعتهم وقال قائلهم:
اللهم طال الانتظار وشمت بنا الفجاروصعب علينا الانتظار [24] .
الأطوار المنسوخة [*] :