فهرس الكتاب

الصفحة 19763 من 27364

والمنهج الشيعي مر بأطوار يختلف بعضها عن بعض بشكل كبير ؛ فبعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري بغير ولد اضطرب الشيعة وتفرق جمعهم ؛ لأنهم أصبحوا بلا إمام ، ولا دين لهم بلا إمام ؛ لأنه هو الحجة على أهل الأرض ، وبالإمام عندهم بقاء الكون ؛ إذ ( لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت ) وهو أمان الناس ( ولو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله ) ولكن الإمام مات بلا عقب ، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث ، فتحيرت فرق الشيعة واختلفت ، فادعت طائفة منهم أن الحسن له ولد غائب حفاظاً على المكاسب الأدبية والمادية ، وأن له نواباً هم الواسطة بينه وبين الناس ، وكانوا أربعة ، وكانوا يجمعون الأموال من الناس لإيصالها لهذا الغائب ، وكانت لهم الطاعة ، فلهم ما للإمام ، ولقولهم صفة القداسة والعصمة ، وهم مخولون كذلك بالتشريع ، ثم كان أن توفي رابع النواب ، ولم يوص بنائب خامس بعده ، وأخرجوا مرسوماً موقعاً من الإمام الغائب يقول فيه . ( أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ؛ فإنهم حجتي عليكم ، وأنا حجة الله ) .

فانتهت بذلك ما تسمى الغيبة الصغرى وبدأ تطور جديد بتفويض أمر النيابة عن الإمام المنتظر إلى رواة حديثهم وواضعي أخبارهم بعد النواب ، وقد أفاد هذا التطور الشيعة في تخفيف التنافس على منصب البابية وبدأت الغيبة الكبرى [25] .

وكل هذا العنت كان لربط الناس بأحلام مستمرة عن قيام دولة شيعية ، وكلما اقتربت مرحلة التخدير النفسي من النهاية ، بدأ تطور آخر وأحلام أخرى حتى لا يتفلت الناس من هذه البدع وإن كان هذا قد حدث بالفعل مع نهاية كل مرحلة وبداية كل تطور جديد .

وكانت نظرية ( ولاية الفقيه ) التي تنازل فيها الفكر الإمامي عن شرط العصمة والنص في الإمام ، وسمح بالنيابة الواقعية للفقهاء عن الإمام ، والتي تسمح لهم بممارسة القضاء وتوجب التقاضي إليهم ، وهو ما كان محرماً عندهم من قبل ، وفتح باب الاجتهاد الذي كان محرماً كذلك ، والقول بالقياس ، وانسحبت أشكال التطور أو ( التبديل ) على كافة محرمات ( نظرية الانتظار ) كالعمل المسلح ( الثورة ) والإمامة والجهاد والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة ؛ فقد طالت غيبة الإمام وتوالت القرون دون أن يظهر ، والشيعة محرومون من دولة شرعية حسب اعتقادهم ، فبدأت فكرة القول بنقل وظائف المهدي تداعب أفكار المتأخرين ؛ فهذا الخميني يقول: ( قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام ، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة ، فهل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون ؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج ؟ القوانين التي صدع بها نبي الإسلام r وجهد في نشرها ، وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً ، هل كان كل ذلك لمدة محدودة ؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً ؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ .

ثم يقول: ( إذن فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام ، ويدعو إلى تعطيلها وتجميدها ، وهو ينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف ) [26] .

ويقول: ( وبالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام حال غيبته ، إلا أن خصائص الحاكم الشرعي موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر ؛ فإذا أجمعوا أمرهم كان في ميسورهم إيجاد وتكوين حكومة عادلة منقطعة النظير ) [27] .

وإذا كانت حكومة الآيات والفقهاء لا مثيل لها في العدل كما يقول فما حاجتهم بخروج المنتظر إذاً ؟ وهو يرى أن ولاية الفقيه الشيعي كولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم

يقول: ( فالله جعل الرسول ولياً للمؤمنين جميعاً ومن بعده كان الإمام ولياً ، ومعنى ولايتهما أن أوامرهما الشرعية نافذة في الجميع ) ثم يقول: نفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه ، بفارق واحد هو أن ولاية الفقيه على الفقهاء الآخرين لا تكون بحيث يستطيع عزلهم أو نصبهم ؛ لأن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية ) [28] .

( وإن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمام المعصوم ) [29] .

هذا الانقلاب يعتبر نسخاً لكل ما انبنى عليه دين الإمامية ، أو على حد قول من قال: إن الخميني أخرج ( المهدي المنتظر ) عند الروافض [30]

من الانتظار إلى الثوار:

والفكر السياسي الإمامي هو فكر ثوري بطبيعته ، وانتقامي من نشأته إلى منتهاه ، وكما يقول قائلهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت