الشيعة هم التيار الثوري على مدار تاريخ المسلمين ، لديهم عقدة ذنب متأصلة منذ مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء على يد زبانية يزيد بن معاوية ثاني حكام الدولة الأموية ، عقدة سببها أنهم تخلوا عن الحسين الذي خرج يطلب الإمارة ، وخذلوه ؛ بل وسلمه نفر منهم إلى عدوه اللدود ، ليمثل بجثته ويسبي أهله وذويه ، وقد أتاح لهم الزمن ( عدواً جديداً ) ! ! يعوضون في جهاده وقتاله والثأر منه ما اقترفوه في كربلاء ؛ وبالفعل هم يقاتلون بكل الهموم والآلام والأحزان والاضطهاد الذي جثم على صدورهم طيلة ما يقرب من 1300 سنة ، يجاهدون ضده بعقيدة متماسكة وشعار حاد ( كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء ) ، وإذا لم تكن الدماء قد جرت في كربلاء دفاعاً عن الحسين ، فلتَسِلْ أنهاراً يغسلون بها العار عن الأرض ويستعيضون بها عن الشرف الضائع [31] .
وتمت المبالغة في تحويل نظرية: ( الانتظار ) السلبية إلى نظرية ثورية ، كما قال عبد الهادي الفضلي: إن الذي يُفاد من الروايات في هذا المجال هو أن المراد من الانتظار هو وجوب التمهيد والتوطئة بظهور الإمام المنتظر . وإن التوطئة لظهور الإمام المنتظر تكون بالعمل السياسي عن طريق إنارة الوعي السياسي والقيام بالثورة المسلحة ! ! [32] .
وإن كانت الدولة النبوية في المدينة التي أقامها المصطفى صلى الله عليه وسلم هي أمنية الأماني التي يُسعى لتحقيقها باعتبارها أنموذجاً ومثالاًَ يُقتفى أثره ويُرجى الوصول إلى صورته فإن هذا النموذج لم يكن هو المثال والهدف الذي يسعى إليه الإمامية ؛ بل كان مثالهم دائماً وحتى يظهر مهديهم المنتظر هذه ( المصيبة ) الكربلائية التي هي دائماً ماثلة أمامهم .
( فالأمة الحسينية أمة متصلة قوام اتصالها بـ( المصائب ) المتعاقبة عليها ، ومواقف الثورة الكربلائية التي لم تنقطع ، هناك تدرك تماماً أنك تعرفهم فرداً فرداً منذ آلاف السنين ، قاتلت معهم وقاتلوا معك ، واستشهدتم سوياً في كربلاء ، هناك تدرك تماماً أن المهدي ليس بعيداً وأنه في مكان ما على الجبهة ) [33] .
وإذا غدا استمرار الثورة ودوامها من بعد حدوثها إنجاز الثورة الأعظم أوجب تجديد الإعجاز كل يوم ، والقيام بالثورة من غير انقطاع ولا تلكؤ ، ولا يُرتب تجديد الإعجاز حين تتصل الثورة الإسلامية الخمينية بين كربلاء وبين ظهور المهدي ، إلا إظهار الدلائل على قيام الثورة ، وحفظ معناها ، والحؤول بين هذا المعنى وبين الاضمحلال والضعف . ولا يتم ذلك إلا بالإقامة على الحرب وفي الحرب . وينبغي لهذه الحرب أن تكون الحرب الأخيرة ، ولو طالت قروناً ؛ لأنها تؤذن بتجديد العالم كله ، وبطيِّ صفحة الزمان [34] .
فلم تكن الحرب بضواحي البصرة وعلى ساحل شط العرب إلا مقدمة حروب كثيرة أوكلت إليها القيادات الخمينية الشابة التمهيد لـ ( فَرَج ) المهدي صاحب الزمان من غيبته الكبرى ، ولبسطه راية العدل على ( الأرض ) كلها ، وتوريثه ملك الأرض للمستضعفين [35] .
وهذا المفهوم الثوري المستمر كان له في الحركة السياسية الشيعية اللبنانية نصيب وافر ؛ فقد ترجمه خطباء الحركة الخمينية بلبنان وينقلونه إلى ( اللبنانية ) ، أو الكلام السياسي اللبناني ، بعبارة ( الحالة الجهادية ) أو ( الثورية أو الإسلامية ) ، وهي تعني الخروج من كل أشكال الإدارة التي تمتُّ بصلة إلى الدولة ومؤسساتها وقوانينها عامة ، وإلى كيانها الحقوقي خاصة .
لذا يحرص أبناء ( حزب الله ) على استمرار التشرذم والتجاذب والتخبط حرصهم على حدقات عيونهم . ويرفعون هذه الحال إلى مرتبة المثال .
ويخاطب محمد حسين فضل الله جمهور المصلين في مسجد بلدة النبي عثمان قائلاً: وعلينا أن نخطط للحاضر والمستقبل ؛ لنكون مجتمع حرب ! !
ويضيف الخطيب: إن الحرب هذه ( مفروضة ) ، شأن كل الحروب التي يحل خوضها للإماميين ، ولا يحل لهم خوض غيرها [36] ، والحرب ( المفروضة ) هي النظير الإيراني لحرب التطويق السو . ياتية . فكلُّ ما يوقف توسع أصحاب مجتمع الحرب عدوانٌ عليهم .
بين بداية القرن ونهايته:
كانت الحالة الدينية السياسية الشيعية في بداية هذا القرن الميلادي حالة منكمشة إلى حد ما ، وكان هناك تهميش واضح للشيعة باعتبارهم ( طائفة ) ، وكان ذلك التهميش الذي عاناه ( جبل عامل ) والشيعة عامة خلال فترة الانتداب على لبنان ، وفترة بناء الدولة والاستقلال حال دون احتلال مواقع في الدولة تسمح أو تدفع بالمشاركة في سباق ادعاء رموز تاريخية مؤسسة لها من الطائفة الشيعية [37] .
وعلى مستوى الحالة الدينية ، فقد ضعف دور العلماء وعزف الشيعة اللبنانيون عن العمامة أي طلب العلم الشيعي الديني وانزوى المسجد ، وقد شهد أحدهم على هذا الواقع فقال: فهذه القرى العاملية لا تذكر اسم الله تعالى في ليل ولا نهار ، برغم سخاء المهاجرين على بناء المساجد وكان يوجد وقتها 1920 1930م ما يزيد على الأربعمائة مسجد بين مسجد كبير وصغير [38] .