( الوجه الثامن ) : أن العهود التي يعقدها الحاكم بغير ما أنزل الله مع الكفار قد رضي أهل الحل والعقد بها ، وهم وجهاء الناس ومجالس الشورى ونحوها بل وعامة الشعب ، فلم يستقل الحاكم بغير ما أنزل الله بهذه العهود والمواثيق .
كما أن الذين يباشرون تأمينهم من إعطاء الفيزة وختم الدخول هم آحاد المسلمين وهم راضون بتأمينهم ، فكيف تستباح دماؤهم بعد ذلك ؟!
( الوجه التاسع ) : أن إبطال العهود التي يعقدها الحكم بغير ما أنزل الله مع الكفار وكذا أمانه قول باطل ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا قول صاحب ولا نص إمام . وهو قول محدث لا سلف له .
( الوجه العاشر ) : أن نقول إننا لو قدرنا كون من يحكم المسلمين كافراً بما هو أوضح من مسألة كفره بالحكم بغير ما أنزل الله ، كأن يكون يهودياً أو نصرانياً أو عابداً لصنم ونحو ذلك ، فإن هذا لا يقتضي أيضا اعتبار عهده وأمانه منتقضاً ، واستباحة دماء من أمنهم وعاهدهم ، وذلك لأن من يعيش تحت حكومته وولايته من المسلمين يعتبرون مستوطنين ، والمستوطن يلزمه من الحقوق ما لا يلزم المستأمن والمعاهد .
يوضحه: أن المسلم الذي يدخل بلاد الكفار بأمان منهم لا يحل له التعرض لهم بنفس ولا مال بالإجماع ، مع كون الأمان الذي عصم دماءهم وأموالهم مؤقتاَ ، فلأن لا يحل له التعرض لهم ولا لمن في بلادهم وهو مستوطن لها من باب أولى وأحرى ، وذلك من أجل عهد المواطنة الذي أصبح مستوطناً به بلادهم ، وهذا العهد وإن لم يكن مكتوباً باللفظ إلا أنه معلوم بالمعنى ، وهذا لا يستريب فيه من عرف رائحة العلم .
ولا تعارض بين هذا وبين ما ورد من جواز الخروج على الحاكم المرتد أو الكافر إذا كان بالمسلمين قوة كما في الحديث:"إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان"، وذلك أن الخروج على الحاكم حال كفره يعد من باب الجهاد في سبيل الله بعد دعوته وإنذاره ، بخلاف قتل المستوطنين والمعاهدين والمستأمنين ، فإنه من الفساد والفوضى والغدر والخيانة لا من الجهاد والدعوة ؛ لأنه قتلٌ في حالة أمن ونقض للعهد .
الشبهة الثانية: هي قولهم: إننا مكرهون على الصلح والعهد ومضطرون إليه ، ومن اضطر لصلح أو ألجئ إليه لم يصح صلحه.
والجواب عنها: أن المقدمتين باطلتان .
أما الأولى: وهي أننا مكروهون فليس بصحيح وذلك لأن الكفار قد قدموا ابتداء بطلب من البلاد الإسلامية ، وبرضاهم ، ألجأهم إلى ذلك الواقع لا الكفار .
وأما المقدمة الثانية وهي أن صلح المكره لا يصح ؛ فهي باطلة من ثلاثة أوجه:
"الوجه الأول"أن هذا قول لم يقله أحد من أهل العلم فيما أعلم .
"الوجه الثاني"أن الهدنة لا تكون غالباً إلا في حال ضعف من المسلمين ، بل لا تكون صحيحة بلا خلاف إلا في مثل هذه الحالة ، لأن عامة أهل العلم على إبطال الهدنة في حال قوة المسلمين إذا لم يكن فيها مصلحة .
والنصوص الشرعية قد ذهبت إلى أبلغ من هذا ألا وهو جواز دفع المال للكفار للكف عنا إذا لم يكن بنا قوة ، يدل عليه هم صلى الله عليه وسلم بإعطاء غطفان وحلفائها في غزوة الأحزاب شطر ثمار المدينة على أن يرجعوا ، وعلى هذا نص عامة أهل العلم .
"الوجه الثالث"أنه لا يتصور إكراه على الهدنة والصلح إلا والمسلمون في غاية الضعف ، فإنه إذا كان يحرم قتل المعاهد في حال قوة المسلمين ومنعتهم ، فلأن يحرم قتلهم والمسلمون في حالة ضعف من باب أولى ؛ لأنه ذريعة حينئذ إلى استئصالهم حيث لا قوة لهم .
الشبهة الثالثة: أن صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، فقتلهم هو وسيلة لإخراجهم .
والرد عليها من وجوه:
( الوجه الأول ) : أن المراد بمنع اليهود والنصارى من جزيرة العرب إنما هو استيطانها والإقامة الدائمة بها ، لا الدخول مدة معينة بالعهد أو الأمان .
قال النووي في المنهاج:"ويمنع كل كافر من استيطان الحجاز" [11]
وقال القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية:"وما سوى الحرم منه ـ أي الحجاز ـ مخصوص من سائر البلاد بأربعة أحكام:"
إحداها: لا يستوطنه مشرك من ذمي ولا معاهد [12]
وقال ابن قدامة في المغني:"ولا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز" [13] وهذا باتفاق أهل العلم .
( الوجه الثاني ) : أنه لا خلاف بين أهل العلم في جواز دخول المعاهدين والمستأمنين والذميين الحجاز التي هي أخص جزيرة العرب ، وإنما اختلفوا في مدة مقامهم .
فكيف يقال بمنعهم من دخول غير الحجاز بغير نية استيطان أو إقامه ، بل وقتلهم لأجل بذلك ؟
( الوجه الثالث ) : أن جزيرة العرب مختلف في تحديدها ؛ فمن أهل العلم من يحدها من بحر القلزم"الأحمر"غرباً وبحر العرب جنوباً وخليج البصرة"الخليج العربي"شرقاً واختلف أصحاب هذا القول في شمالها وهو المشهور من مذهب مالك وقول أبي حنيفة .
ومنهم من يحدها بالحجاز إلى تبوك وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه ورواية عن مالك وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، واستدلوا على ذلك بأن عمر رضي الله عنه لم يخرجهم من اليمن وتيماء ،فعلى هذا القول تكون الكويت والأحساء ونجد ليست من جزيرة العرب.