( الوجه الرابع ) : أن يقال إنه لو صح أن المراد بالحديث عدم جواز دخولهم جزيرة العرب مطلقاً ، لم يكن إخراجهم منها عن طريق القتل بعد أن أعطوا العهد ، بل يكون الإخراج على طريقة عمر رضي الله عنه .
( الوجه الخامس ) : أن الإخراج منوط بالحاكم لا بآحاد الرعية ، كالحدود والجهاد وغير ذلك فلا يُفتئت عليه فيها.
الشبهة الرابعة: أنهم يوردون على ما ذكرته في المسألة الثالثة"من عدم جواز غدر المسلم بالكفار إذا دخل بلادهم بأمان"بأنهم يكيفون ما حصل في بلاد الكفار من خطف للطائرات وتدمير للمباني على أنه من باب أحد أمرين:
الأول: من باب التبييت والتترس .
الثاني: أنهم أئمة الكفر ، الذين لا تحقن دماؤهم بعهد ولا أمان لقوله تعالى:"فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون""التوبة 12"وكما حصل لكعب بن الأشرف اليهودي لما أظهر له محمد بن مسلمة رضي الله عنه الأمان ثم قتله .
والجواب على هذه الشبهة ما يلي:
أما التصوير الأول وهو أنه من باب التبييت والتترس فالرد عليه من وجوه:
( الوجه الأول ) : أن التبييت ـ وهو الإغارة على الكفار ليلاً دون إنذار ـ ورمي الكفار في حال التترس ـ وهو تحصن الكفار بالمسلمين أو بمن لا يقتلون كالنساء والصبيان ـ إنما يكون في قتال كفارٍ محاربين ، ليس بيننا وبينهم عهد ولا أمان ، وقد بلغتهم الدعوة .
كما أغار صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون
وسئل صلى الله عليه وسلم"عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال:"هم منهم"متفق عليه."
وأما إن كانوا معاهدين أو مستأمنين ، فلا يجوز تبييتهم ، ولا رميهم وهم متترسون بمن لا يجوز قتله في الحرب .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه:"وأما الإغارة والبيات فليس هناك قول أو فعل صاروا به آمنين ولا اعتقدوا أنهم قد أومنوا" [14]
فإن قال قائل:إن أمريكا قد نقضت العهد بقتال المسلمين في أماكن كثيرة ، فجاز تبييتهم والإغارة عليهم .
فالجواب أن يقال ـ بعد التنزل مع الخصم والقول بانتقاض عهدنا مع الكفار بقتالهم لبعض المسلمين الذين ليسوا تحت ولايتنا مع كونه باطل [15] ـ: إنهم وإن نقضوا العهد العام ، وهو الهدنة والصلح ، فإن العهد الخاص ، وهو أمانهم لمن دخل بلادهم به لم ينتقض ، كما لو دخل محارب منهم بلادنا بأمان في حال حربنا مع قومه ، فإنه آمن بما أعطي من الأمان الخاص وقومه محاربون ، فكذلك المسلم إذا دخل بلادهم بأمان منهم ، لا يحل له تبييتهم ولا الإغارة عليهم ، ما لم ينقضوا هذا الأمان الخاص ، برفع السلاح عليه ونحو ذلك .
فلا بد إذاً أن يفرق بين الأمان العام وهو العهد والصلح ، وبين الأمان الخاص وهو عقد الأمان لآحاد الأفراد ، فبطلان أحدهما لا يستلزم بطلان الآخر .
فإن بطل الأعم وهو العهد لم يبطل الأخص وهو الأمان ، والعكس صحيح .
لذلك يبطل أمان المستأمن منهم إذا دخل بلادنا إذا ما نقضه بسبنا أو سب ديننا ، ولا يستلزم هذا بطلان العهد العام الذي بيننا وبين قومه لو كان .
ولا يبطل عهد المستأمن إذا دخل بلادنا به ببطلان عهد قومه معنا بحربنا فتأمل .
( الوجه الثاني ) : أن العلماء مختلفون في رمي الكفار إن تترسوا بذرا ريهم ونسائهم .
فمن أهل العلم من منع رميهم في هذه الحال إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك ، كأن كان في الكف عن قتالهم انهزام المسلمين ، أو يخشى من استئصال قاعدة الإسلام ، وهذا هو مذهب الإمام مالك والشافعي .
ومن أهل العلم من رخص في رميهم حال التترس بنسائهم وذراريهم مطلقاً سواء كانت الحرب ملتحمة أو كانت غير ملتحمة ، بشرط أن يقصد الرامي المقاتلة لا النساء والذرية .
( الوجه الثالث ) : أن تبييت الكفار ورميهم حال التترس إنما يكون بأمر ولي الأمر ، أو من وكله على إمرة الجيش ، لا أن يفعله من شاء من الرعية ، لأنه افتئات على الحاكم .
قال الفتوحي في المنتهي في فصل"الغزو بغير إذن الإمام":"ويحرم غزو بلا إذن الأمير"
وهذا مذهب السلف قاطبة .
قال الفتوحي في المعونة:""فان دخل قوم"لهم منعة أو لا منعة لهم"أو أحد ولو عبداً دار حرب بلا إذن من الإمام"فغنموا"فغنيمتهم فئ"تصرف مصرف الفئ على الأصح لأنهم عصاه بافتياتهم على الإمام لطلب الغنيمة ، فناسب حرمانهم كقتل الموروث".
وقال كل من الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ وحسن بن حسين آل الشيخ وسعد بن حمد بن عتيق ومحمد بن عبد اللطيف آل الشيخ في رسالة إلى الإمام عبد الرحمن بن فيصل"الدرر 9/94":"ورأينا أمراً يوجب الخلل على أهل الإسلام ، ودخول التفرق في دولتهم ، وهو الاستبداد من دون إمامهم ، بزعمهم أنه بنية الجهاد ، ولم يعلموا أن حقيقة الجهاد ومصالحة العدو ، وبذل الذمة للعامة ، وإقامة الحدود ، أنها مختصة بالإمام ومتعلقة به ، ولا لأحد من الرعية دخل في ذلك إلا بولايته ...".