فهرس الكتاب
وقد عرف أهل العلم هذا المنصب الجليل، فقال الماوردي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا» (28) ، وقال إمام الحرمين: «الإمامة: رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا» (29) . «وكلام سائر علماء العقائد والفقهاء من جميع مذاهب أهل السنّة لا يخرج عن هذا المعنى» (30) . ومن هذه التعاريف يتبين أن الخلافة تجمع بين الدين وسياسة الدنيا، ولا تفصل بينهما كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة، وعقد الخلافة لمن يقوم بها في الأمة ممن استوفى شروطها واجب بالإجماع (31) .
وقد ذكر أهل العلم الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الخليفة، وهي ـ كما ذكرها الماوردي ـ: «الشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثانية: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، والسابع: النسب، وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه» (32) ، وهي شروط متفق عليها في الجملة بين أهل العلم، وإن كان بعضهم يُعبِّر بألفاظ مختلفة لكنها تحمل المضمون المتقدم نفسه (33) ، وهذه الشروط المتقدمة إنما هي شرط استحقاق المنصب، وأما تولي المنصب فيضاف له شرط آخر، وهو الموافقة عليه واختياره من أهل الاختيار (34) .
2 ـ ألقاب القائم على رأس النظام ودلالتها:
يُلقَّب القائم على رأس النظام السياسي في الإسلام بعدة ألقاب؛ منها «الخليفة» ، «الإمام» ، «الأمير» ، وقد جاءت النصوص الشرعية بكل ذلك (35) .
دلالات الألقاب:
لقد اختار الإسلام لرأس النظام السياسي ألقاباً تعبر عن توجهات النظام، وتكشف عن حقيقته وأهدافه، فلفظ «الخليفة» يعني أنه ليس ملكاً مطلق المشيئة والإرادة في إدارة الدولة كيف شاء أو أنه يُخلد في منصبه، أو أنه ورثه وراثة، بل هو خليفة خلف من سبقه في قيادة الأمة كما سيخلفه من يأتي بعده، كما يعني أنه يعمل فيما استخلف فيه وفق الغاية والمقصد من نصبه واستخلافه، واللفظ بعد ذلك يشع منه التواضع ولين الجانب وترك التكبر والتعالي على الناس. ولفظ «الإمام» يعني القيادة والقدرة، كما يعني المبادرة، فالإمام قدوة لغيره في العمل بالشريعة والتمسك بها والدعوة إليها، والإمام قائد، فإن الناس تؤمّه وتقصده وهي له متابعة، كما أن الإمام يبادر ويتقدم على غيره فيكون أولهم ولا يكون آخرهم؛ لأن حق الإمام التقدُّم وليس التأخر، والإمامة تعني أن السلطة والقيادة ليست مقسَّمة بينه وبين آخرين بحيث يُستقل بها عنه، سواءً كانوا أفراداً أو جماعات أو هيئات، واللفظ يشع منه بعد ذلك معاني الهيبة والجلال والتوقير. ولفظ «الأمير» يُبرز الجانب الوظيفي في العمل، فهو أمير يأمر وينهى ويُلزم، وعلى الرعية الطاعة والموافقة في الإطار المشروع.
وهكذا فإن الألفاظ الثلاثة تتعاون وتتآزر فيما بينها لتعطي الصورة الكاملة لهذا المنصب العالي والمكانة الجليلة للقائم على رأس النظام السياسي. فكلمة الإمام تُبرز وتوضح حصر القيادة العليا للأمة كلها في الإمام، بينما كلمة الخليفة تُبرز بقوة جانب الاتباع للشريعة في إدارة شؤون الأمة، وكلمة الأمير تُبرز الجد والحزم والهمة في مباشرة الأمور، وهكذا تتعاون هذه الألفاظ لتبين أن منصب رئاسة النظام السياسي في الإسلام منصب كبير، تجتمع فيه القيادة العليا للأمة مع الهيبة والجلال والاحترام والوقار المصحوب بالجد والحزم، وهي قيادة ليست مطلقة بمقتضى نظر الخليفة المجرد مما يظهر له أنه يحقق المصلحة، بل هو مقيد في ذلك باتباع الشرع؛ يدور معه حيث دار، كما أن الهيبة والحزم ليست مع الرعب والفزع ولكن مع التواضع ولين الجانب.
3 ـ نشأة الخلافة:
الخلافة لم تنشأ في الإسلام نتيجة لعقد اجتماعي بين أفراد الشعب؛ يعبِّر عن الإرادة الشعبية في إقامة سلطة تحكم المجتمع وتحقق مصالحه (36) ، وإنما نشأت الخلافة نشأة شرعية تستمد سلطانها وأحكامها من الشريعة التي أنشأتها، والدليل على ذلك أمور، منها:
الأول: الأدلة الكثيرة التي تتحدث عن الخليفة والخلافة وحقوقه وواجباته، والتي سقنا بعضاً منها في هذا البحث، ما يبين أن الشرع هو الذي أنشأ الخلافة وأعطاها مصطلحاتها الخاصة بها، وبين حقوقها والتزاماتها.
الثاني: أن المسلمين لم يسبق لهم عهد بهذا النوع من الحكومات، كما أنه لم يكن موجوداً في حواضر المدنيات المعاصرة كفارس والروم حتى يُقال قلَّدوا غيرهم في ذلك، فإذا لم يكن عند المسلمين سابقة في ذلك لا من داخلهم ولا من خارجهم؛ فما بقي إلا أن يكونوا أخذوا ذلك من دينهم.