فهرس الكتاب
الثالث: مبادرة أصحاب الرسو صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، وهم أعلم الأمة بدين ربها وأفقههم فيه، إلى اختيار من يخلف رسول ا صلى الله عليه وسلم في قيادة الأمة بعد وفاته، حتى إنهم قاموا بذلك والرسول صلى الله عليه وسلم بعدُ لم يدفن، وهذا دليل على أن ضرورة إقامة الخلافة كانت أمراً معلوماً سابقاً لم يحتج منهم إلى تفكير ودراسة وتشاور. والحوار في سقيفة بني ساعدة بين الصحابة غداة اجتمعوا هناك لم يكن حول أصل الموضوع، وإنما كان حول: مَنْ أحق الناس بهذا المنصب بعد رسول ا صلى الله عليه وسلم ؟ ولم يُؤْثر عن واحد منهم كلمة في مناقشة أصل الموضوع؛ مما يعني أن ذلك كان عندهم معلوماً.
الرابع: أن العباس ـ رضي الله عنه ـ عمَّ رسول ا صلى الله عليه وسلم ؛ طلب من علي بن أبي طالب أن يسأل رسول ا صلى الله عليه وسلم ـ وهو في مرض الموت بأبي هو وأمي ـ: فيمن يكون الأمر ـ الخلافة ـ بعد وفاته؟ (37) وهذا وأمثاله يبين أن ضرورة قيام الخلافة كان معلوماً فاشياً بين الصحابة، ومن الذي يكون أعلمهم بذلك غير رسول ا صلى الله عليه وسلم ؟!
ويتبين مما تقدم أن الخلافة نشأت مباشرة عقب وفاة رسول ا صلى الله عليه وسلم بدون انقطاع، وأن الشرع هو الذي أنشأها بالدلالة عليها والأمر بها، ولم يُقمها الناس من تلقاء أنفسهم لجلب المصالح ودرء المفاسد.
4 ـ طرق إسناد الخلافة لمن يستحقها:
الشخص الصالح لتولي الخلافة هو من تتوافر فيه شروط الصلاح لذلك ـ كما أسلفنا ـ، ولا بد من التأكد من توفر هذه الشروط قبل إسناد الخلافة إليه، فتحقق الشروط مناط استحقاق الخلافة، وعملية التأكد من توفر هذه الشروط في الشخص تُسمَّى تحقيق المناط، وعلى ذلك فدَوْر أهل الاختيار الذين يختارون الخليفة هو تحقيق المناط في الشخص، وإذا وجد أكثر من شخص تتحقق فيه تلك الشروط فتكون هنا المفاضلة بينهم على أساس مَنْ منهم تتحقق فيه الشروط بصورة أكثر من الآخرين، ويكون في الوقت نفسه أكثر مناسبة من غيره لظروف العصر، وبالتالي تُعقد له البيعة ويولى أمر الخلافة، وعلى ذلك فتحقيق المناط يُتطلب فيه أمران:
الأول: النظر في الشروط التي ينبغي توافرها فيمن يراد جعله خليفة، وهذه مرجعها إلى الشرع؛ إذ هو الذي يحددها.
الثاني: النظر في وجود هذه الشروط وتحققها في آحاد الناس، وهذه تُعلم من المعرفة بالشخص وأحواله، فذلك نوع من الاجتهاد في التحقق من وجود المناط في آحاد الأشخاص (38) . ومن البيّن أن طرق الكشف عن وجود المناط في آحاد الأشخاص قد تتعدد وتتباين وتكون كلها صالحة محققة للمقصود، ولا يمكن لأحد أن يدَّعي أنه لا يوجد إلا طريق واحد لتحقيق المناط، فإن تحقيق المناط تؤثر فيه عوامل كثيرة، منها طبيعة المناط نفسه من حيث الوضوح أو الخفاء، ومنها طبيعة الباحث نفسه من حيث العلم والخبرة، ومنها طبيعة الظروف المحيطة بالموضوع، لهذا كله فقد يختلف تحقيق المناط من بيئة إلى بيئة ثانية، ومن زمن إلى زمن آخر، بل قد يختلف في الزمن الواحد باختلاف الظروف المحيطة، من غير أن يؤثر ذلك على الحكم الأصلي؛ لأن الذي يتغير هو جهد الإنسان في الكشف عن المناط، أما وجود المناط نفسه فلا بد من تحققه في جميع الحالات، وهذا يفسر تعدد طرق التولية التي حدثت في فترة الخلافة الراشدة.
وقد عرف التاريخ السياسي للخلافة الراشدة عدة طرق في اختيار الخلفاء الراشدين، وهي:
أ ـ الاختيار بواسطة أهل الاختيار (الحل والعقد) : وهو أن يختار أهل الاختيار رجلاً ممن تتوفر فيه الشروط المطلوبة، وذلك بعد البحث وتقليب الآراء، ثم الاتفاق بعد التشاور فيما بينهم على الشخص المناسب ومن ثم مبايعته، ولا يضر ما يحدث من نقاش واختلاف في هذه الحالة في أول الأمر فذلك شيء لا بد منه، وإنما العبرة بالنهاية حتى يتفق أهل الاختيار، وقد حدث هذا في تولية أبي بكر رضي الله عنه، حيث اجتمع كبار الصحابة منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد بن عبادة، وبعد محاورات تخللتها بعض التباينات في وجهة النظر وقع الاتفاق على أبي بكر الصدِّيق ـ رضي الله عنه ـ وتمت بيعته، وهو والله حقيق بها، وكذلك كان الأمر في بيعة علي رضي الله عنه (39) .