فهرس الكتاب

الصفحة 19829 من 27364

العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعوِّل على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح» (43) .

وتحت هذه الواجبات العامة تفصيلات كثيرة، كما تحتاج إلى تنظيمات وترتيبات لتحقيق تلك الواجبات على النحو المرضي، ومن مسؤولية ولي الأمر القيام بهذه الواجبات واستحداث ما تحتاج إليه من تنظيمات وترتيبات ـ على الشروط السابق ذكرها في ضوابط التنظيم ـ (44) .

6 ـ حقوق الخليفة على الرعية:

وإزاء هذه المسؤولية المكلف بها الخليفة؛ فإن الشريعة جعلت له على الرعية حقوقاً؛ حتى تكون هذه الحقوق معينة له على تحقيق واجباته ومقاصد الخلافة، قال الماوردي: «وإذا قام الإمام بما ذكرته من حقوق الأمة؛ فقد أدى حق الله ـ تعالى ـ فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة؛ ما لم يتغير حاله» (45) .

7 ـ البيعة:

يتم عقد الولاية للخليفة عن طريق البيعة، وفيها يتم بيان وإعلان العلاقة بين المسلمين والخليفة، حيث يكون من الخليفة العهد على الالتزام بالكتاب والسنّة وقيادة الأمة في أمورها كلها بهما، ويكون من المسلمين العهد على السمع والطاعة والنصرة ما دام الخليفة محافظاً على عهده قائماً بالتزاماته، قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ: «والأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق، ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر» (46) ، وكتب عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ في بيعته: «إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنّة الله وسنّة رسوله ما استطعت» (47) ، وفي بيعة عثمان ـ رضي الله عنه ـ بايعه عبد الرحمن ابن عوف والمسلمون «على سنّة الله وسنّة رسوله والخليفتين من بعده» (48) .

المبحث الثاني:

أهل الحل والعقد:

أهل الحل والعقد هم الجماعة من الناس الذين يُناط بهم اختيار الخليفة ومبايعته، وهو تدبير سياسي إسلامي غير مسبوق سواء في لفظه أو في وظيفته، قد استنبطه أهل العلم من السوابق التي جرت في خلافة الراشدين، فأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ قد عقد له البيعة كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وعمر لما استخلفه أبو بكر استشار فيه كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وعثمان لم يعقد له عبد الرحمن حتى دار على المهاجرين وأفاضل الأنصار وأمراء الجند الذين كانوا بالمدينة وأخذ موافقتهم عليه، وكذلك علي لما جاءه بعض الناس يريدون منه البيعة قال: «إن بيعتي لا تكون خفيّاً ولا تكون إلا على رضا المسلمين» ، فبايعه الصحابة في المسجد، وبايعه طلحة والزبير وهما من العشرة المبشرين بالجنة.

ويطلق بعض أهل العلم على تلك الجماعة لفظ «أهل الاختيار» ، كما يُطلق عليها أحياناً لفظ «أهل الشورى» (49) ، وأحياناً ثالثة «أهل الاختيار والعقد» ، وينبغي أن تتوافر في هذه الجماعة شروط تؤهلهم وتعينهم على صواب الاختيار، وقد أجمل الماوردي هذه الشروط بقوله: «فأما أهل الاختيار؛ فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة:

أحدها: العدالة الجامعة لشروطها، والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوم وأعرف» (50) .

وهذه الشروط هي بالنسبة إلى أهل الحل والعقد أنفسهم، وهناك شرط آخرمنظور إليه من قِبَل المسلمين؛ وهو أن يكونوا ممن يسرع الناس إلى موافقتهم وقبول اختيارهم (51) ، وهذا يؤدي بنا إلى التعرف على مكانة هؤلاء في مجتمع الناس، وذلك أن الناس لا تسرع إلى موافقة وقبول اختيار إلا من تعلمه وتراه بارزاً مشهوراً مشاركاً في مصالح الناس، وعلى ذلك فإن أهل الحل والعقد ليسوا مجرد أُناس عاكفين على العلم والمعرفة منقطعين عن الناس وعن واقع الحياة، فإن هؤلاء أكثرهم مجهول بالنسبة لعموم الناس، فالخامل ـ وإن كان عالماً ـ الذي لا ذكر له ولا جهد في حركة المجتمع أنَّى ينتبه الناس له؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت