فهرس الكتاب
وأما العدد الذي تنعقد به بيعتهم؛ فليس لذلك حد معلوم؛ إذ لم يثبت بذلك نص، والمتيقن منه في ذلك أن حصول الإجماع ليس شرطاً في ذلك، كما أن الواحد والاثنين اللذين يعقدان من غير مشورة المسلمين لا يصلح ذلك منهما، وقد استعرض أبو المعالي الجويني كل الأقوال الواردة في ذلك، وخلص إلى القول: «فالوجه عندي في ذلك أن نعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع يحصل بهم شوكة ظاهرة ومنعة قاهرة» (52) ، وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنّة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بُويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماماً، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكاًًًً بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، بحيث يصير ملكاً بذلك ... فمن قال إنه يصير إماماً بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط» (53) .
وإذا كانت وظيفة هذه الجماعة على ما هو مسطور في كتب الأحكام السلطانية، هو اختيار الإمام، فإنه من الممكن أن يضاف لها وظيفة أخرى تناسب ذلك أيضاً، لا سيما أن حدود الولايات وصلاحياتها يؤخذ من لفظ التولية والعرف والأحوال (54) ، وهذه الوظيفة المضافة لها تعلق بالإمامة، وقد دلت عليها النصوص الشرعية، وهي وظيفة المتابعة والمراقبة لأعمال الخليفة والجهاز التابع له؛ بغرض الحفاظ على التزام النظام السياسي بالشرع وعدم الخروج عليه، وهذه الوظيفة نجد أسانيدها الشرعية في الكثرة الكاثرة من أدلة القرآن والسنّة التي تطلب من المسلمين القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك أن الحفاظ على شرعية النظام والتزامه من الأمور البالغة الأهمية، ولما كان أهل الاختيار بالوصف الذي ذكرناه عن أهل العلم؛ كان إضافة وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجانب السياسي إليهم من أنسب الأشياء.
ويصير مرادنا بأهل الحل والعقد: هم الجماعة من الناس الذين تتوافر فيهم الشروط المطلوبة، وتكون وظيفتهم اختيار الخليفة، ثم المتابعة والمراقبة لالتزام النظام بالشريعة، واتخاذ الموقف الشرعي المناسب بناء على نتائج المتابعة والمراقبة، فيقوم أهل الحل والعقد في هذه الحالة بمهام «الحسبة» ولكن في الجانب السياسي. ولذلك قال إمام الحرمين ـ عندما تحدَّث عن موجبات عزل الخليفة ـ: «فإن قيل: فمن يخلعه؟ قلنا: الخلع إلى من إليه العقد» (55) .
تنظيم مؤسسة أهل الحل والعقد: