فهرس الكتاب
في كثير من الأحيان يظن كثير من الناس أن تحديد الصفات ونحوها ليس كافياً في انضباط الأمور، وإنما لا بد من وجود نظام محدد مرتب بخطوات محددة، ومثل هذا التنظيم والترتيب هو الذي يعوَّل عليه في تحقيق الأمور من غير تلاعب بها أو تحايل عليها، وقد يبدو هذا في ظاهره صواباً، ولكن المشكلة الحقيقية ليست في عدم التنظيم، وإنما تكمن في عدم الرغبة في العمل والتقيد بالصفات أو الضوابط التي تذكر في مثل هذه الأمور، وعند وجود الرغبة في ذلك؛ فإن الأمور ستمضي على النحو المرغوب حتى من غير وجود نظام مكتوب مسطور. وكلما ضعفت الرغبة احتيج إلى التنظيم، وكلما قويت لم يحتج إليه، وهذا يفسر أن أموراً كثيرة كانت تجري في الصدر الأول بدون هذا التنظيم على وجه أحسن وأفضل مما جرى تنظيمه فيما بعد، على أنه ليس هناك ما يمنع شرعاً من تحديد طريق عملي يتم من خلاله التوصل إلى تحديد أهل الحل والعقد، كأن يقال إن الصفات التي ورد ذكرها في حق أهل الحل والعقد ممكن تحقيقها في الواقع؛ بأن نقول إن درجة العلم تتحق بالحصول مثلاً على درجة الأستاذية أو ما يناظرها، وإن أمراء الأجناد حالياً هم ولاة الأقاليم والعواصم وقادة أفرع الجيش، وإن وجوه الناس هم رؤساء القبائل الكبرى، والقضاة، والدعاة المشهورون، ورؤساء الجامعات، ومديرو الشركات الكبرى، والمتميزون في تخصصاتهم التجريبية والإنسانية من أساتذة الجامعات ومَنْ في حكمهم، (والعدالة شرط لا بد من تحققه في الجميع) .. وهكذا، ويصير بموجب هذا النظام أمكن تحديد أهل الحل والعقد. ولا شك أن هذا اجتهاد قد يُعارض فيه من يُعارض، لكنه على الأقل قدم تصوراً محدداً لتكوين مؤسسة أهل الحل والعقد انطلاقاً من المنظومة الإسلامية، وليس من منظومة فكرية أخرى مغايرة، إضافة إلى أنه ليس من اللازم أن يحدث إجماع في كل المسائل المجتهد فيها، وأخيراً نقول: والباب مفتوح لمن يأتي باجتهاد أفضل منه يحقق ويحدد أهل الحل والعقد، ولكن بشرط أن يكون ذلك من خلال المنظومة الإسلامية وبوسائلها، وينبغي أن يكون لهذه المؤسسة رئيس أو أمين أو مدير ينظم عملها الداخلي من حيث الاجتماعات وأوقاتها، ومن حيث إعداد وتجهيز الأمور التي تحتاج إلى بحث وتبادل الرأي وهكذا .
طريقة عملية لاختيار الخليفة:
وبعد أن قدمت هذه الدراسة تصوراً في كيفية تحديد أهل الحل والعقد، نقدم طريقة عملية لقيام مؤسسة أهل الحل والعقد باختيار الخليفة.
المرحلة الأولى: تقوم جماعة من هذه الهيئة (وهم العلماء والقضاة والدعاة) بتصفح أحوال الناس واختيار عدد (وليكن اثني عشر رجلاً) ممن يصلحون للخلافة ممن تتوافر فيهم الشروط المطلوبة.
المرحلة الثانية: يعقد اجتماع موسع لمؤسسة أهل الحل والعقد، ويعرض عليهم المرشحون، مع بيان مسوِّغات ترشيح كل واحد ومؤهلاته التي أهلته (وفق نظام محدد من قِبَل المؤسسة) .
المرحلة الثالثة: تتم المداولات والمشاورات لمدة لا تزيد عن ثلاثة أيام في جو من السرية لاختيار أحد هؤلاء المرشحين، ويبايعه الجميع بالخلافة البيعة الخاصة، ثم يُعلن للناس للبيعة العامة، وإذا حدث خلاف بين الأعضاء ولم يتفقوا على شخص واحد؛ كان الترجيح في ذلك بالأكثرية؛ إذ لا مرجح في هذه الحالة غير ذلك، وهو أمر معتد به شرعاً إذا لم يكن مرجح غيره (56) .
وهذه تمثل خطوطاً عامة، وفيما رُوي من تفاصيل تعيين عمر ـ رضي الله عنه ـ للستة وما حدث بعد ذلك حتى تمت البيعة لعثمان؛ ثروة ضخمة في هذا المجال يمكن الاستفادة منها في إيجاد تفصيلات كثيرة متعلقة بهذا الشأن، وهي تمثِّل تفصيلات مفيدة قابلة للتحقيق في عصرنا الحاضر؛ إضافة إلى أنها من داخل المنظومة الإسلامية.
قال الماوردي: «فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً، وأكملهم شروطاً، ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت ببيعتهم له الإمامة؛ فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته» (57) .
طرق معاصرة في الاختيار لا تصلح إسلامياً:
قد يرى بعض الناس أو أكثرهم ـ بفعل الدعاية الضخمة للنظام الديمقراطي ـ أننا يمكن أن نأخذ بطريقة الانتخاب في اختيار الصالح للإمامة.
ومجمل هذه الطريقة تقوم على:
1 ـ أن يتقدم شخص واحد أو أكثر؛ إما بصفته الفردية، وإما عن طريق الأحزاب (حسب الأنظمة المعمول بها في كل بلد) طالباً من الناس اختياره ليكون رئيساً للدولة.
2 ـ يقوم الطالب أو الطالبون للرئاسة (عن طريقهم وطريق أعوانهم) بالدعاية، وإظهار محاسنهم، وإبراز أخطاء الآخرين.
3 ـ بعد فترة من بداية التقدم لطلب الرئاسة والدعاية لذلك؛ يتم الاختيار من قِبَل الشعب ممن له حق الاختيار، وهو كل مواطن بالغ عاقل (حسب شروط الانتخابات التي ينظمها القانون في كل بلد) .