فهرس الكتاب

الصفحة 19832 من 27364

4 ـ يفوز برئاسة الدولة وحكم الشعب فترة زمنية محددة من يحصل على أكبر عدد من المؤيدين؛ أي الأغلبية (سواء كانت الأغلبية النسبية أو الأغلبية المطلقة؛ حسب النظام الانتخابي في كل بلد) .

هذه الطريقة قد تكون في مظهرها الخارجي طريقة منظمة، وقد يُخدع بها كثير من الناس، لكن هذه الطريقة غير مقبولة شرعاً لأنها لا تحقق الشروط التي تحدثنا عنها قبل ذلك؛ أولاً: لمخالفتها للأدلة الشرعية، وثانياً: لحصول مفاسد فيها تضيِّع الهدف منها؛ إذ ليس المطلوب الوحيد أن تكون الطريقة محددة منظمة، بل المطلوب الأكبر أن تكون مؤدية لتحقيق الغاية المرجوة منها من غير ترتب فساد عليها.

أولاً: مخالفة تلك الطريقة للأدلة الشرعية:

فقد وردت النصوص بالمنع من طلب الإمارة، ولو خالف المسلم وطلبها؛ فإن النصوص قد جاءت بعدم موافقته على ذلك، فالمنع جاء من جهتين؛ من جهة طلبها، ومن ناحية الموافقة لمن طلبها (58) . وأما مخالفتها في تحديد من إليهم الاختيار؛ فهي تُدخل في ذلك رعايا الدولة كلهم بما فيهم من المسلمين، والفاسقين، والكفار، والرجال والنساء، وهذا مخالف لإجماع أهل العلم، فإن أهل الذمة (المواطنين الكفار) لا يدخلون في اختيار الخليفة، وكذلك إجماع أهل العلم على عدم دخول النساء في الاختيار (59) . وهذا التحديد لأهل الاختيار في الطرق المعاصرة ناتج من طغيان الفكر الديمقراطي القائم على أن السيادة للشعب، وأن القانون ما هو إلا مظهر للإرادة الشعبية، وانطلاقاً من هذا الفكر يصبح كل مواطن في الدولة (مسلم أو كافر) له نصيب في السيادة، وبالتالي فإن حقه في اختيار الحاكم حق أصيل، وهذا التصور العلماني الذي تقوم عليه الديمقراطية مباين مباينة تامة لدين الإسلام، حيث التشريع فيه لله الواحد القهار، وعلى ذلك أدلة كثيرة جداً من الكتاب والسنّة (60) .

ثانياً: اشتمال هذه الطريقة على المفسدة التي تذهب بالغاية منها:

ثم إن هذه الطريقة تشتمل على مفاسد كثيرة تُضيع الفائدة التي تُطلب تحققها، ومنها:

1 ـ إمكانية تزوير الانتخابات في هذه الطريقة نظراً لاتساع رقعة الأرض وكثرة أعداد الناس الذين يحق لهم المشاركة في ذلك، وتنوع الحالات الإيمانية لهذه الأعداد الغفيرة من أقصى درجات قوة الإيمان إلى أضعف الدرجات.

2 ـ إمكانية شراء الذمم المتبادلة بين الناخب وبين الطالب للمنصب، حيث تعقد بينهما صفقة بمقتضاها يمنح الناخبون موافقتهم له، وهو يعطيهم عند فوزه بالمنصب الامتيازات التي تم الاتفاق عليها، وقد تكون هذه الصفقة بين الطالب للمنصب وبين أفراد الناخبين، كما تكون بينه وبين دوائر انتخابية بكاملها، وفي هذه الحالة فإن إمكانيات الدولة تسخر لمصالح الأفراد الشخصية ـ وليس لمصالح الأمة ـ سواء كانوا طالبين للمنصب أو كانوا ناخبين.

3 ـ وجود الدعايات الضخمة الكثيرة، والتي لا تخرج في أغلب الأحيان عن زخرف القول الباطل الذي يقلب الأمور رأساً على عقب فيصور الحق باطلاً والباطل حقاً، فلا يكون الاختيار في هذه الحالة اختياراً حقيقياً، وإنما هو اختيار موجَّه بحسب قوة الآلة الإعلامية لطالبي المناصب.

4 ـ عزوف كثير من الناخبين عن المشاركة في الاختيار - كما تدل على ذلك الوقائع الكثيرة حتى في البلاد التي يقال عنها إنها مهد هذا النظام -؛ مما يجعل الاختيار غير معبِّر عن حقيقة رأي الجماعة، بل هو يعبِّر عن رأي المجموعة النشطة في هذا المجال، وهي التي لها مصلحة مباشرة في هذا الأمر، أو تريد الحصول على مصلحة مباشرة منه.

5 ـ نظراً للدور الكبير الذي تقوم به الآلة الإعلانية في هذا المجال، وما يترتب على ما تزينه الدعاية من فوز أشخاص وإخفاق آخرين، فإنه تكون نتيجة لذلك تكلفة مالية ضخمة تفوق في أغلب الأحيان القدرة المالية لطالب المنصب؛ مما يدفعه بعد الحصول على المنصب إلى تعويض ذلك بكل طريق ممكن.

6ـ كل طالب للمنصب له فريق معاون يعمل معه ليل نهار، وفي حالة الفوز فإن طالب المنصب يعمل على مكافأة هذا الفريق بما تتيحه له صلاحياته أو قدرته على التدخل والتأثير في الأمور.

7 ـ عزوف كثير من العناصر الجيدة والفاضلة عن المشاركة في مثل ذلك؛ لما ترى من الفساد وضياع الهيبة والمروءة في ذلك؛ مما يترتب عليه حرمان الأمة من العناصر التي هي في حاجة إليها، بينما يتقدم من ليس فيهم كبير غناء.

والنظام الإسلامي ـ بحمد الله تعالى ـ منزه عن كل هذه المخالفات والعيوب، حيث لا يسمح فيه للناس بطلب المناصب، وإنما يرشحهم لذلك أهل الحل والعقد، وهم من أفاضل الناس ومن المشهود لهم بالعلم والصلاح والمكانة الأدبية بين الناس؛ لذا فإنه ينتفي في حقهم ما لا ينتفي في حق الآخرين، وكل ما يوجد من خطأ في حقهم؛ فهو في غيرهم أضعاف مضاعفة، وكل ما عند غيرهم من خير؛ فهو فيهم أضعاف مضاعفة.

وكل ما يمكن أن يتصور من قصور في ذلك؛ فهو منغمر في جانب المصالح العظيمة المتحققة من ذلك، ونحن مطالبون عند التعارض ـ إن وجد ـ بتحقيق أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، والطريقة الشرعية المتقدمة كفيلة بأن تأتي بأفضل الناس علماً وديناً وكفاءة وقدرة على العطاء والتحمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت