فهرس الكتاب
مهام أهل الحل والعقد:
مما تقدم يتبين أن لأهل الحل والعقد في النظام السياسي الإسلامي وظيفتين أساسيتين هما:
1 ـ اختيار الخليفة من بين من يصلح للخلافة.
2 ـ القيام بأمور الحسبة في المجال السياسي (61) .
والقيام بأمور الحسبة في الجانب السياسي يتناول أمرين مهمين:
الأول: المتابعة والمراقبة لأعمال الخلافة والتصرف الذي يأمر به الشرع في ذلك، وهو مستفاد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني: وهو مترتب على الأول، وهو عزل الخليفة إن فعل ما يتوجب ذلك، وهو مستفاد أيضاً من التسمية نفسها بـ «أهل الحل والعقد» ، فالعقد يعني مبايعة الإمام الصالح للإمامة، والحل يعني عزل الإمام متى خرج عن حد الصلاح للإمامة، واللغة المستخدمة تدل على ذلك؛ فالعقد نقيض الحل، والعقد: العهد، والعقد اللزوم والعزم والإبرام، والحلُّ من حلَّ العقدة يَحُلُّها حلاً: فتحها ونقضها فانحلت (62) .
وقد أومأ النص الشرعي بتكوين جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذات ولاية لها قدرة ومنعة للقيام بهذه الفريضة؛ من غير أن يتعارض ذلك أو يتداخل مع قيام الفرد المسلم بتلك الفريضة بمقتضى إيمانه، قال الله ـ تعالى ـ في بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الصفات اللازمة شرعاً التي تلازم المؤمنين في كل أحيانهم: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة: 71] .وأما تكوين الجماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أرشد إلى ذلك قوله ـ تعالى ـ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104] . قالت طائفة من أهل العلم إن «من» في قوله {مِّنكُمْ} تبعيضية فيكون المراد على ذلك «ولتكن جماعة من المسلمين» ، وقالت طائفة أخرى إن «من» هنا بيانية فيكون المراد، «ولتكونوا جميعاً أمة» .
وهنا ملاحظة مهمة في بيان حقيقة هذه الفريضة كشفت عنها ألفاظ الآية، وهي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مجرد دعوة للحض على فعل الخير وترك الشر؛ بل هو أمر ونهي، والأمر والنهي حقيقة لا يكون إلا ممن يقدر على الإلزام به، وهذا يستدعي أن تكون لهذه الجماعة سلطة تمكنها من ذلك، وهو معنى أنها ولاية ذات قدرة ومنعة، ولذلك فقد فرقت الآية بين هذا العمل وبين الدعوة إلى الخير، ففرقت بينهما في سياق واحد؛ مما يدل على تغايرهما وإن كانا يعملان في دائرة واحدة، فقال ـ تعالى ـ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104] ، وقد وجدت هذه الجماعة في الدولة الإسلامية باسم «الحسبة» ، وقد تحدثت كتب الأحكام السلطانية وغيرها عن صفات والي الحسبة وأعوانه واختصاصاتهم وصلاحياتهم وغير ذلك من الأمور المتعلقة بها. وقد نشأت الحسبة كأي تدبير تنظيمي على حسب الحاجة إليها، ثم مع الاتساع وتطور الحياة وتشابك المصالح حيناً وتعارضها حيناً آخر؛ أخذت الحسبة تتطور في وسائلها تبعاً لذلك، ولكن في إطار محكوم لا تخرج عنه، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والهدف المحافظة على المجتمع في العقائد والعبادات والسلوك والمعاملات.
كما نشأت أيضاً ولاية المظالم والتي كانت من مهامها «النظر في تعدي الولاة على الرعية، فيتصفح عن أحوالهم ليقويهم إن أنصفوا، ويكفهم إن عسفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا» (63) ، والحسبة في الجانب السياسي كانت موجودة في التاريخ الإسلامي بل لا يكاد يخلو منها عصر من العصور، لكن كما تم تنظيم ذلك في جانب العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات؛ فإنه يكون من الأوفق، خاصة في عصرنا، أن يتم أيضاً تنظيم الحسبة في الجانب السياسي من خلال هيئة تُعنى به وتقوم عليه، وذلك لتحقيقه وليس لتعقيده؛ من غير أن يكون في ذلك قيد على آحاد المسلمين بالقيام بالحسبة في هذا الجانب، وليس في ذلك إحداث أو ابتداع؛ إذ ذلك من قبيل الطرق العملية لتنفيذ الأحكام الشرعية، وقد تقدم الكلام عن ذلك بما أغنى عن إعادته. وقد بيّن شيخ الإسلام أن ترك فعل شيء لعدم وجود المقتضي لفعله؛ لا يعد فعله بعد ذلك بدعة إذا قام المقتضي لفعله، وذلك مثل جمع المصحف، وتدوين الكتب ونحو ذلك (64) .
وأهل الحل والعقد ـ بصفاتهم التي تقدم ذكرها ـ هم أليق فئة تناط بها مهام الحسبة في الجانب السياسي. ويمكن لأهل الحل والعقد أن يتابعوا ويراقبوا مؤسسة الخلافة وما ارتبط بها من المعاونين، كالوزراء وأمراء الأقاليم ونحوهم، لضمان تقيدهم بالشريعة وعدم الخروج عليها، فمن ذلك مثلاً:
1-متابعة التشريعات واللوائح والتنظيمات التي يصدرها الخليفة أو من يعاونه.
2-متابعة قيام الخليفة وأعوانه بواجباتهم الملقاة على عواتقهم.
3-متابعة علاقة الدولة بالعالم الخارجي، من حيث حالة الحرب أو العهد أو الذمة، وغير ذلك من الأمور التي يتابع فيها أهل الحل والعقد انتظام الأمور في الدولة الإسلامية والتزامها بأحكام الشريعة.