فهرس الكتاب
وليس لأهل الحل والعقد أن يتدخلوا في أعمال الخليفة؛ إنما عليهم المراقبة والمتابعة والتأكد من جريان الأمور على الوجه الشرعي المطلوب، ولهم أن يستعينوا في عملهم بمن يحتاجون إليه من العلماء والفقهاء والقضاة وأصحاب الاختصاصات في المجالات التقنية الدنيوية.
وليس لأهل الحل والعقد ولاية على الخليفة، بل هو له الولاية عليهم، وهم فيمن يبايعه على السمع والطاعة، وعليهم أن يطيعوا الخليفة فيما يأمرهم به؛ مثلهم في ذلك مثل باقي الرعية، إلا أن يأمرهم بعدم المتابعة والمراقبة، فذلك لا يجوز؛ لأنهم يؤدون واجباً شرعياً، والخليفة لا يملك عزل واحد من أهل الحل والعقد ما دام قائماً بواجباته من غير إخلال بها.
اختلاف أهل الحل والعقد مع الخليفة
1-إذا فعل الإمام شيئاً أو أصدر لائحة أو تنظيماً، ورأى أهل الحل والعقد أن ذلك ليس بصواب؛ فإن كان هذا في مسائل الاجتهاد ولا يقطعون بصواب اجتهادهم وبطلان اجتهاد الخليفة؛ فإن لهم أن يراجعوه في ذلك ويشيروا عليه بما يرون أنه الأفضل، فإن رجع إلى رأيهم فبها ونعمت، وإن أصر على اجتهاده فله ذلك؛ لأن هذا من حقوق ولايته، وعليهم أن يطيعوه فيه إن كان في مسائل القضاء أو الحكم أو السياسة، وأما إن كان في مسائل الفتيا؛ فإن مسائل الفتيا لا إلزام فيها من أي طرف، قال صاحب شرح الطحاوية: «وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة؛ يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه» (65) .
2-إذا رأى أهل الحل والعقد أن ما اختاره الخليفة فيه مخالفة واضحة، وأن ما تمسك به الخليفة إنما هي أقوال ضعيفة عند أهل العلم لا ينبغي التعويل عليها، ولم يمكن تقديم حل يرضى عنه الطرفان؛ فإن الحل في ذلك يكون عن طريق المحكمة، وقرارها ملزم للطرفين، والأصل في ذلك قوله- تعالى-: {فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] ، ويُستشهد لذلك بالمحكمة التي تكونت للفصل بين الخليفة علي ـ رضي الله عنه ـ وبين بعض الأمة (معاوية رضي الله عنه) ومن معه.
3-إذا كان ذلك الفعل أو اللائحة أو النظام مخالفاً لدين الإسلام مخالفة يقينية؛ فإن أهل الحل والعقد يُنبهونه، ويُبيِّنون له مخالفة ذلك لدين الإسلام؛ فإن استجاب فبها ونعمت، وإلا أصدرت محكمة مشكَّلة لهذا الغرض حكماً ببطلان ذلك، وفي مثل هذه الحالة يبطل العمل بذلك ويصبح لاغياً كأن لم يكن (66) .
4-إذا لم يقبل الخليفة بحكم المحكمة في ذلك؛ فإن هذا يعد منه خروجاً على القواعد الدينية، ومخالفة صريحة للغاية التي نُصب من أجلها، وهي حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وفي هذه الحالة فإن أهل الحل والعقد يصدرون حكماً بعزل الخليفة، وبصدور هذا الحكم يفقد الخليفة منصبه وما يترتب عليه من حقوق وصلاحيات، ولا تجب له على أحد طاعة، ويستأنف أهل الحل والعقد عقد الخلافة للصالح لها (67) ، وينبغي نشر العلم بين الناس بهذه الأمور حتى يعلموا ما عليهم وما لهم.
موجبات خروج الخليفة عن الخلافة:
قال الماوردي: «والذي يتغير حاله فيخرج به عن الإمامة شيئان: أحدهما جرح في عدالته، والثاني نقص في دينه» (68) .وفي الأحوال التي تندرج تحت ما تقدم تفصيلات كثيرة، اتفق في بعضها أهل العلم واختلفوا في البعض الآخر، وموضع تفصيل ذلك المطولات، ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الأمور المتفق عليها، فمن ذلك: ردة الخليفة وخروجه عن الإسلام، فإنه يخرج بذلك عن الخلافة، ومنه الجنون المطبق، ومنه ظهور الخبل في العقل والعته في الرأي، واضطراب النظر اضطراباً لا يخفى دركه، ومنه وقوع الخليفة في الأسر وبُعْد تَوَقُّع خلاصه.
والأسر نوعان: أسر الجسد وهو الأسر الحسي، وأسر الإرادة والتصرف وهو الأسر المعنوي، وهو ما يسميه الماوردي بالحجْر، وهناك ما هو أشد فساداً من أسر الإرادة، ألا وهو أن يكون الخليفة منفذاً في المسلمين أوامر الكفار وإرادتهم، فإذا كان الخليفة واقعاً تحت تأثير الكفار منفذاً لأوامرهم؛ فإن هذا يخرجه عن حد الصلاح للخلافة؛ لأنه لا ينبغي أن يكون للكافرين سبيل على المؤمنين، وهو بهذا قد جعل لهم أعظم السبيل.
وقد يكون الخليفة صاحب دين وأمانة ولكنه ضعيف يتبين ضعفه من عدم قدرته على ضبط الأمور، ومن تأخر أحوال بلاد المسلمين في أثناء خلافته تأخراً بيناً واضحاً، فإذا تبين عدم قدرته على سياسة الدولة وانتشر فيها الخلل، وخيف بسبب ذلك انفراط عقد الدولة؛ فإنه ينبغي والحالة هذه أن يُعزل عن الخلافة، ويستأنف أهل الحل والعقد الاختيار - على ما تقدم ذكره - لمن هو أقدر على ذلك، والوجه في ذلك أن تصدر محكمة مشكّلة لذلك حكماً بعزل الخليفة وخروجه عن حد الخلافة أولاً، ثم تبدأ إجراءات عقد الخلافة لمن يستحقها ويصلح لها ثانياً.
وقد يحدث في مثل هذه الحالات أن يستظهر الخليفه بجنده الذين تحت إمرته؛ فما العمل في مثل ذلك؟ (69)