فهرس الكتاب
ولهذا الأمر حل وقائي وآخر علاجي؛ أما الوقائي: فهو نشر العلم بين الناس بهذه المسائل وتعليمها لهم، ووضع النظام الذي يبين خروج الخليفة عن الصلاح لمنصبه، وتفهيم الأمة أن صدور الحكم من المحكمة بعزل الخليفة يُفقده جميع صلاحياته ولا ينبغي لأحد طاعته، وإذا فهم الناس ذلك وحرصوا عليه وتمسكوا به أمكن عزل ذلك الخليفة وتعيين بدل له من دون أية مشاكل أو اضطراب. لكن قد يحدث أن يبلغ الخليفة في الظلم والطغيان أن يمنع أهل الحل والعقد من مزاولة أعمالهم، وقد يسجنهم، وقد يمنع المحكمة من الانعقاد، ويستعين على ذلك كله بالجند الذين يغدق عليهم الأعطيات،وفي هذه الحالة يظهر الحل العلاجي.
وقد افترض إمام الحرمين تلك الحالة وقدَّم لها الحل الذي نوجزه فيما يلي، يقول عن الخليفة: «فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطيل الثغور؛ فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم، وذلك أن الإمامة إنما تُعنى لنقيض هذه الحالة، فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضية الزعامة والإيالة، فيجب استدراكه لا محالة، وترك الناس سدى ملتطمين متقحمين لا جامع لهم على الحق والباطل؛ أجدى عليهم من تقريرهم اتباع مَنْ هو عون الظالمين، وملاذ الغاشمين، وموئل الهاجمين، ومعتصم المارقين الناجمين.. فأقول: إن عسر القبض على يده الممتدة، لاستظهاره بالشوكة العتيدة، والعدد المعدة، فقد شغر الزمان عن القائم بالحق، ودفع إلى مصابرة المحن طبقات الخلق ..فإن تيسر نصب إمام مجتمع للخصال المرضية والخلال المعتبرة في رعاية الرعيَّة؛ تعين البدار إلى اختياره، فإذا انعقدت له الإمامة، واتسقت له الطاعة على الاستقامة، فهو إذ ذاك يدرأ من كان، وقد بان الآن أن يُعَدَّ درؤه في مهمات أموره؛ فإن أذعن فذاك، وإن تأبى عامله معاملة الطغاة، وقاتله مقاتلة البغاة..وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية دهياء، وإراقة دماء، ومصادمة أحوال جمة الأهوال، وإهلاك أنفس ونزف أموال؛ فالوجه عندي أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلون به؛ بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يُقدَّر وقوعه في روم الدفع؛ فيجب احتمال المتوقَّع له لدفع البلاء الناجز، وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون على ما الخلق مدفوعون إليه؛ فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع..» ، إلى أن يقول: «ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك؛ أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضاحته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة وتبدد دعائم الإسلام، ولم نجد من ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة؛ فلا يطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا، فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأُبيدوا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاع ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه؛ فليمض في ذلك قدماً، والله نصيره على الشرط المقدم في رعاية المصالح والنظر في المناجح، وموازنة ما يندفع ويرتفع بما يتوقع.. فإن قيل: قد قدمتم أن وجه خلع الإمام نصب إمام ذي عدة؛ فما ترتيب القول في ذلك؟ قلنا: الوجه خلع المتقدم ثم نصب الثاني يدفعه دفعه للبغاة كما سبق تقريره. فإن قيل: فمن يخلعه؟ قلنا: الخلع إلى من إليه العقد» (70) .
القسم الثاني
في إدارة الدولة
المبحث الأول: فيمن يستنيبهم الخليفة:
الخليفة بحسب المنزلة التي أحلَّه الله بها هو صاحب الولاية العامة في الدولة الإسلامية، والولاية تعني ممارسة السلطة، والخليفة شخص واحد، وحاجات الدولة كثيرة فلا يقدر على القيام بها بنفسه، فيحتاج لذلك أن يستعين على ولايته بمن يصلح لها من المسلمين، فيوليهم الولايات التي بمقتضاها تنتظم الأمور وتتحقق الأهداف. والولاية لما كانت تعني ممارسة السلطة على الرعيَّة؛ فإنه لا يتولى أحد هذه الولايات إلا من قِبَل تولية الخليفة له، وهذه الولايات تكثر وتتشعب بحسب أوضاع الدولة وأحوالها، وبحسب التطور في حياة المجتمعات، وظهور أنماط جديدة من المعاملات لم تكن من قبل، لكن كل هذه الولايات على تعددها تنقسم إلى أربعة أقسام كما ذكرها الماوردي، حيث يذكر أن ما يصدر عن الخليفة من ولايات لخلفائه أربعة أقسام:
القسم الأول: من تكون ولايته عامة في الأعمال العامة، وهم الوزراء؛ لأنهم يُستنابون في جميع الأمور من غير تخصيص.
القسم الثاني: من تكون ولايته عامة في أعمال خاصة، وهم أمراء الأقاليم والبلدان؛ لأن النظر فيما خُصُّوا به من الأعمال عام في جميع الأمور.
القسم الثالث: من تكون ولايته خاصة في الأعمال العامة، وهم كرئيس القضاة، ونقيب الجيوش، وحامي الثغور، ومستوفي الخراج، وجابي الصدقات؛ لأن كل واحد منهم مقصور على نظر خاص في جميع الأعمال.