فهرس الكتاب
القسم الرابع: من تكون ولايته خاصة في الأعمال الخاصة، وهم كقاضي بلد أو إقليم أو مستوفي خراجه أو جابي صدقاته، أو حامي ثغره، أو نقيب جنده؛ لأن كل واحد منهم خاص النظر مخصوص العمل، ولكل واحد من هؤلاء الولاة شروط تنعقد بها ولايته ويصح معها نظره» (71) .
والولايات الواقعة في هذه الأقسام التي ذكرها الماوردي وتسمياتها؛ مرتبطة بزمانها وخاضعة لحاجة الدولة إليها، ولذلك فهي تقل وتكثر من زمن لآخر، وقد تظهر ولايات لم تكن موجودة من قبل، كما قد تقسم ولاية كانت موجودة من قبل إلى عدة ولايات؛ نظراً لاتساع هذه الولاية في الوقت الحاضر، وهذه التقسيمات والتنويعات التي كانت والتي تكون فيما بعد؛ إنما تعبِّر عن حاجات الدولة في العصر التي هي فيه، ولذلك فإننا لا نجد هذه التقسيمات زمن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بينما نجد أن الأمر في خلافة عمر قد اتسع فأضاف بعض التنظيمات لحاجة الدولة إليها، فدوَّن الديوان ـ رضي الله عنه ـ وهكذا.
وينبغي أن يُعْلَم أن ما يستفيده المتولي بالولاية من اختصاصات ليس له حد معلوم في الشرع، وإنما يستفيد ذلك من لفظ التولية ومن الأحوال والعرف (72) .
والشروط التي ينبغي توافرها في أصحاب هذه الولايات نوعان:
أولاً: شروط عامة (لكل ولاية) ؛ هي: البلوغ والعقل والعدالة.
ثانياً: شروط خاصة، وهي شروط متعلقة بكل ولاية؛ إذ لكل واحدة شروط تناسبها، فالشروط المطلوبة في ولاية القضاء تختلف عن الشروط المطلوبة في ولاية الجيش أو الخراج مثلاً.
وقد عرف التاريخ السياسي للمسلمين نوعين من الوزارة: وزارة التفويض، ووزارة التنفيذ، وفي الأولى ينيب الخليفة عنه من يفوِّضه في تدبير الأمور برأيه وإمضائها على اجتهاده فيما فوَّضه فيه. وفي الثانية: فإن الوزير في تصرفه مقصور على رأي الخليفة وتدبيره، والوزير في هذه الحالة وسط بين الخليفة والرعية يؤدي أمره وينفذ عنه ما ذكر.
ولكل واحدة شروطها، وشروط وزارة التفويض كشروط الخليفة خلا شرط النسب، بينما الأمر في وزارة التنفيذ أخف (73) .
وإذا أناب الخليفة أو فوَّض في تدبير الأمور؛ فإن هناك أمرين ينبغي مراعاتهما:
الأول: يختص بالمفوَّض، وهو إطلاع الخليفة على ما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد؛ لئلا يصير بالاستبداد كالخليفة.
الثاني: أن يتصفح الخليفة أفعال المفوَّض وتدبيره الأمور؛ ليقر منها ما وافق الصواب، ويستدرك ما خالفه، لأن تدبير الأمة إليه موكول، وعلى اجتهاده محمول (74) .
المبحث الثاني: الشورى:
عندما يُشْكِل الأمر في قضية ما، أو عندما تتعدد الحلول لمشكلة ما، أو عندما لا يكون المرء قادراً على اتخاذ القرار السليم في القضايا التي تعرض له، أو يريد التأكد من صواب القرار الذي أداه إليه اجتهاده، أو يريد التوصل إلى الإيسر والأنسب من الحلول الصالحة المتعددة؛ فإنه يلجأ إلى من يعتقد أن لديه المقدرة على القيام بذلك مع الأمانة والصدق فيما يشير به، ويطلب منه أن يعاونه برأيه في ذلك، وقد يطلب المستشير ذلك من فرد أو من مجموعة من الناس مجتمعين أو منفردين. وقد يكرر الاستشارة في الأمر الواحد، وقد يكتفي بإشارة أول من يشير عليه. وعرض الآراء وتقليبها ممن يحسنون ذلك في مثل تلك الأحوال، واختبارها لمعرفة كنهها، واستخراج أفضلها وأنفعها وأيسرها؛ هو ما يعرف بالشورى ويراد منها.
والأدلة على مشروعية الشورى كثيرة؛ منها قوله ـ تعالى ـ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] ، وقوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى} [الشورى: 38] ، وهي دالة على سلوك المؤمنين الحميد فيما يتعاطونه من أمورهم، وهي أعم من أن تكون قاصرة على ما يتعلق بنظام الحكم أو المسائل السياسية، وقد دلَّت سنّة الرسو صلى الله عليه وسلم العملية على كثرة مشاورته لأصحابه، فشاورهم في مسائل عامة تتعلق بالجهاد كما في غزوة بدر وأُحد وغيرهما، كما شاور بعضهم في خاصة نفسه في أمر عائشة ـ رضي الله عنها ـ الحَصَان الرَّزَان في قصة الإفك، وغير ذلك من الأمور الكثيرة. وشاور خلفاؤه الراشدون من بعده، وجاءت آثار السلف في الحض على ذلك والترغيب فيه، والناظر في المجتمع الإسلامي في الصدر الأول يجد أن المشاورة كانت أمراً فاشياً وسلوكاً حميداً عند عامة المسلمين، يتبعونه في أمورهم العامة والخاصة، والوقائع بذلك كثيرة جداً (75) .
والشورى في المسائل العامة التي تتعلق بالأمة أو جمهورها أو طائفة كبيرة منها أَوْلى من الشورى في المسائل الخاصة التي تتعلق بأفراد أو مصالح جزئية؛ لأن الأولى خطرها عظيم ونفعها كبير، ولذلك كانت الشورى في المسائل المتعلقة بالنظام السياسي الإسلامي ـ الذي يمثِّل السياج الواقي للإسلام ودولته ـ أَوْلى بكثير من غيره، ولا يستغني ولي الأمر عنها في إدارته لشؤون ولايته إدارة حسنة.
مجالات الشورى:
هي الحدود التي تعمل فيها الشورى؛ أي بيان الأمور التي يجب أو يجوز أو لا يجوز أن تكون محلاً للشورى، ومجالها قسمان: قسم عام، وقسم خاص.
فأما القسم الخاص: فهو متعلق بطالب المشورة، فقد يشاور في بيع أو في شراء أو علاج أو سكن أو غير ذلك من الأمور.