فهرس الكتاب
وأما القسم العام: فهناك أكثر من قول لأهل العلم في ذلك، فمن ذلك: أنها في أمور الحرب، ومنها أنها في أمور الدنيا، ومنها أنها في كل أمر ليس فيه نص قاطع، والصواب أن الشورى تغطي تلك المجالات كلها مما لم يأت فيها نص شرعي، وأما الأمور التي وردت فيها نصوص شرعية حتى إن كانت غير قطعية؛ فلا تكون الشورى فيها إلا بمعنى بيان المقصود من تلك النصوص والوصول إلى الفهم الصحيح لها، ولا يمكن بحال في ظل حكم الشرع أن يتم تجاوز النصوص والاعتماد على الشورى المجردة.
حكم الشورى:
تعدد الآراء في الشورى هو من طبيعة الشورى؛ إذ لولا ذلك لم تكن هناك حاجة إليها، ولم يكن لها فائدة ترجى منها؛ إذ فائدتها تظهر من استخراج ما عند المستشارين من آراء وأفكار وتصورات.
والمناقشات والمداولات التي تتم في هذا المجال قد تسفر عن عدة احتمالات متباينة، فقد يتفق المستشارون كلهم على قول واحد في المسألة المعروضة وتجتمع كلمتهم عليه، وهذا قليلاً ما يحدث، وكثيراً ما يحدث أن تتعدد الآراء فلا يتفق الناس على قول، وهذا التعدد في الآراء له أكثر من صورة، فقد ينقسم المستشارون على قولين أو ثلاثة أو أكثر، وقد تتساوى أعداد القائلين بكل قول، وقد تختلف بحيث يكون بعضها أكثر من بعض، وقد يحدث أن يكون الفرق في الأعداد بين الأقوال كبيراً، وقد يكون قليلاً، وإزاء كل هذه الاحتمالات الممكنة يبرز السؤال: ما القاعدة التي يجب من خلالها حسم تلك التباينات وإصدار القرار؟
وهنا أمران: حكم المشاورة نفسها، وحكم العمل بما أدت إليه:
أما حكم المشاورة: فالذي عليه عامة علماء السلف أن الشورى مندوب إليها ليست بواجبة، والذي عليه عامة المعاصرين أن الشورى واجبة (76) . ويفصِّل بعض المعاصرين فيرى أن الشورى تجب في بعض المسائل، بينما لا تجب في بعض المسائل الأخرى (77) .
وأما حكم العمل بما أدت إليه الشورى: أو «ما القاعدة التي يجب أن تُحسم بها مداولات أهل الشورى؟» أو «هل الشورى ملزمة أو معلمة؟» ، والذي عليه جمهور علماء السلف أن ولي الأمر لا يجب عليه ترك رأيه لرأي أهل الشورى أو غيرهم، حتى قال صاحب شرح الطحاوية: «وقد دلَّت نصوص الكتاب والسنَّة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة؛ يُطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه» (78) ، والذي عليه أكثر المعاصرين أن ولي الأمر يجب عليه أن يترك رأيه لرأي أغلبية الشورى (79) ، ويفصِّل فريق ثالث فيرى أن هناك من المسائل ما ينبغي على ولي الأمر أن يترك رأيه فيها لرأي الأمة أو الشعب، بينما هناك نوع آخر لا يجب عليه فيه ذلك (80) .
ونحن في هذه الدراسة ننظر إلى الشورى من عدة زوايا، ومن خلالها يتضح حكمها:
فمن زاوية وضوح المسألة أو خفائها؛ فإننا نقسّم الشورى إلى ثلاث مجموعات:
1-ما تجب فيه المشاورة: وهو كل ما يراد اتخاذ قرار فيه تتعلق به مصالح الأمة، ولم يتضح وجه الصواب فيه لولي الأمر، فهذا تجب المشاورة فيه، حتى يقدم على بصيرة من أمره. ولا يعرض الأمة أو مصالحها للخطر بالإقدام على جهل.
2-ما تجوز المشاورة فيه أو تستحب: وهو كل ما يراد اتخاذ قرار فيه، ووجه الصواب واضح لولي الأمر، فإنه يجوز لولي الأمر المشاورة فيه - إذا لم يكن من الأمور التي لا تحتمل التأخير - تشوّفاً لمزيد من العلم والاطلاع حول الموضوع؛ تمشياً مع قول القائل: «رَأْيُنا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب» ، و «من جاءنا بأحسن مما قدرنا عليه أخذنا به» .
3-ما تحرم المشاورة فيه: وهو ما تبيَّن فيه حكم الشرع بإيجاب أو تحريم أو إباحة فلا يمكن المشاورة فيه، لقضاء الله ورسوله في ذلك: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] . ولا تكون الشورى فيه إلا في كيفية التنفيذ، إذا كان هناك أكثر من طريقة لتنفيذه.
ومن زاوية النظر إلى طبيعة الشورى ووظيفتها: فإن طلب الشورى إنما هو للمعاونة والمساعدة وليس للإلزام، فإن طالب الشورى يريد ممن يشاورهم أن يعينوه لا أن يُلزموه برأيهم، وهو الذي يحدد كيف يفعل ذلك، وعلى ذلك فإن ولي الأمر هو الذي يحدد كيف يشاور؟ أيكون ذلك فردياً؛ بمعنى أن يستشير كل فرد على حدة، أم جماعياً بمعنى أن يجمعهم معاً ويعرض عليهم ما يريد، أم يستخدم هذا حيناً، وذاك حيناً آخر، وهذا في مسائل، وذاك في مسائل أخرى؟ وهل لذلك عدد ثابت، أو يستشير فرداً في حالة وأفراداً في حالات أخرى؟ وهل يلزم لذلك تكوين مجلس يُعرف بمجلس الشورى أو لا؟ وهل لهذا المجلس إذا عمل اجتماعات دورية أو أنه ينعقد عند الاستدعاء؟ وإذا كانت له اجتماعات دورية؛ فكم مرة يجتمع في السنة مثلاً، وأين، ومتى؟ والطريقة التي يتم تبادل الرأي فيها بين المجتمعين، وإلى أي مدى يؤثر غياب بعض أهل الشورى في قرارهم؟ وهل لذلك نصاب محدد؟ ونحو ذلك من الأمور، إنما يحددها من يستشير؛ لأنه الطالب للمعاونة والمساعدة.