فهرس الكتاب
ومن زاوية دخول الموضوع في صلاحيات الخليفة؛ فإننا نقسم ذلك إلى قسمين:
1-أمور يتولاها بمقتضى ولايته وهي داخلة في صلاحياته، فإنه ينفذها ويقوم بها على الوجه الذي يرى أنه يحقق مقاصد الولاية، ولا يجب عليه أن يستشير في ذلك إلا إذا لم يدر وجه الصواب من الأمور المشكلة ولم يترجح له شيء فيها، فأما تسييره لأمور الدولة وإصداره للتعليمات التي تنظِّم ذلك، وعمل اللوائح والنُّظُم التي يضبط بها أمره، واختياره لمعاونيه، وتوليته للولاة على الأقاليم أو غيرها، وتحديد صلاحياتهم ومحاسبتهم وعزلهم إذا اقتضى الأمر، ونحو ذلك من الأمور التي تدخل في صلاحياته، والتي يشار إليها في الفكر السياسي الوضعي بأنها «السلطة التنفيذية» ؛ فإنه يعمل ذلك انطلاقاً من صلاحياته، ولا تجب عليه الاستشارة في ذلك، وإن كنا نقول: الاستشارة في هذه الأمور وما جرى مجراها - إذا لم يترتب عليها تعطيل للأمور - فيها خير كبير، ولن يعدم المستشير أن يستفيد خيراً إذا أحسن اختيار من يستشيره.
2-أمور لا يملك التصرف فيها بمقتضى ولايته، فهذه لا يملك أن يمضيها إلا بموافقة أهلها على ذلك، ولذلك أمثلة: ففي غزوة بدر الكبرى لما أراد الرسو صلى الله عليه وسلم ملاقاة المشركين ـ بعد نجاة قافلة مكة ـ استشار من معه في القتال، فوافقه على ذلك المهاجرون، لكن الرسو صلى الله عليه وسلم لم يكتف بذلك وقال: «أشيروا عليَّ أيها الناس!» ، وهو يريد بذلك الأنصار، وذلك أن البيعة التي أخذها عليهم في مكة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج المدينة، وإنما كانت قاصرة على أن يمنعوه وهو في ديارهم مما يمنعون منه أنفسهم، ولم يُفرض الجهاد في ذلك الوقت فرضاً عاماً، فكان خروج الأنصار إلى القتال في غزوة بدر خارجاً عن حد البيعة، كما لم يكن هناك إلزام من الشرع بذلك؛ لذلك أصرَّ الرسو صلى الله عليه وسلم على معرفة رأي الأنصار وموافقتهم على ذلك، فقال له سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ لما فطن أن رسو صلى الله عليه وسلم يقصدهم بقوله: «أشيروا عليَّ أيها الناس!» : «لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم! وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم؛ فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت..» ، إلى أن قال: «والله! لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك» ، فسُرَّ رسول ا صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشَّطه ذلك، ثم قال: « سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» (81) . وفي غزوة حنين، عندما قسم الرسو صلى الله عليه وسلم على المسلمين غنائمهم التي أفاءها الله عليهم؛ جاء وفد هوازن مسلماً تائباً وسألوه أن يمن عليهم بما غنمه المسلمون منهم من السبايا والأموال، ولما كانت هذه قسمة قد وقعت ووصلت أصحابها بمقتضى القسمة الشرعية، ووضع أصحابها يدهم عليها وصارت ملكاً لهم بذلك؛ لم يكن لرسول ا صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منهم ما استحقوه بحكم الشرع إلا بموافقتهم؛ لذلك عرض عليهم r ذلك وندبهم إليه، وبيَّن لهم أن من طابت نفسه برد ذلك عليهم فليرده، ومن لم تطب نفسه فإن الرسو صلى الله عليه وسلم يعوِّضه عن ذلك من أول ما يفيء الله على المسلمين، «فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيت سبيهم، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيلُُ ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا. فقال الناس: قد طيبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» (82) ، فهنا أيضاً شاور رسول ا صلى الله عليه وسلم أصحاب الشأن وعمل على رأيهم؛ لأنهم هم أملك بذلك.
ومن زاوية نطاق الشورى أو مجالها: فإنها تنقسم إلى نوعين: مسائل دينية، ومسائل دنيوية، فالمسائل الدينية يُعمل فيها بمقتضى الدليل الشرعي، ولا التفات لمن خالف ذلك من كثرة أو قلة، «وإذا استشارهم؛ فإنْ بيَّن له بعضهم (83) ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنّة رسول صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين؛ فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك؛ وإن كان عظيماً في الدين و الدنيا» (84) . وإن كان عدد المخالفين كبيراً.
وأما المسائل الدنيوية التابعة للمصالح؛ فإنه يشاور فيها ويكثر من الاستشارة، ويعمل بما يؤديه إليه اجتهاده بعد مشاورة أهل الاختصاص في ذلك.
ومن زاوية تحمُّله مسؤولية قيادة الدولة والواجبات الملقاة على عاتقه: فإن من حقه أن يستشير من يراهم أهلاً لذلك ولا يُفرض عليه أحد، كما أن من حقه أن يأخذ بالرأي الذي يراه محققاً لما أُنيط به من واجبات، وهذا الحق يقابله من وجه آخر حق أهل الحل والعقد في الاحتساب عليه إذا أساء في هذا الجانب.
صفات أهل الشورى: