فهرس الكتاب

الصفحة 19839 من 27364

ينبغي لولي الأمر أن لا يشاور إلا من تتوافر فيه الصفات التي تؤهله لذلك، سواء كانوا جماعة أو أفراداً، لأن في مشاورة من لا يستحق تشويشاً على الحق والصواب، وقد ذكر أهل العلم صفات أهل شورى الخليفة، فمن ذلك:

1-التكليف: أي يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، فلا يكون غير المسلم أو الصغير غير البالغ أو المجنون غير العاقل من أهل شورى الأمير ومجلسه.

2-العدالة: وهو أن يكون قائماً بالأركان والواجبات، متجافياً عن الكبائر والآثام العظام، وهي صفة يظهر منها غلبة دين المسلم على الشبهات والشهوات، فالاستجابة للشبهات تجر إلى الوقوع في البدع والضلالات، والاستجابة للشهوات تجر للوقوع في الفسق والمعصية والمجاهرة بهما، والعدالة من سلم من كليهما من البدع المضلة والمعصية المهلكة، فالعدل هو المسلم الذي ملك قلبه وجوارحه فأدى الواجبات، وترك الكبائر المحرمات، ولم يمل بقلبه إلى بدعة، أو يجاهر بمعصية، يتحكم في هواه؛ فهو مأمون وقت الغضب والرضا، بعيد عن مواضع التهم.

3-العلم والخبرة: اللذان يُتوصل بهما إلى الصواب،قال ابن خويز منداد المالكي: «واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أُشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتّاب والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها» (85) .وقال البخاري: «وكان القرَّاء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً» (86) ، وكان أبو بكر إذا أعياه أمر «دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم» (87) .

4-الرجولة: فهذا النوع من الشورى المتعلق بأمور الدولة يتطلب الخبرة الواسعة والاختلاط بالحياة العامة، والتحدث إلى الرجال وتبادل الآراء معهم، وهذه أمور النساء عنها بمعزل، وقد قال الله ـ تعالى ـ للنساء: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 33] .كما قال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 34] . وقال رسول ا صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» (88) .فالأصل قرار المرأة في البيت، والأصل قوامة الرجال عليهن، والأصل أيضاً أن الرجال أكمل عقلاً وديناً من المرأة، وإن كان هذا لا يمنع من وجود نساء عالمات أمينات لهن جودة رأي وفضل من رجاحة العقل، وقد يُشرن بالرأي الفائق الحُسن الذي لا يوجد عند كثير من الرجال، كما فعلت أم سلمة - رضي الله عنها - حينما أشارت على صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية بحلق رأسه أولاً حتى يقتدي به الصحابة ويمتثلوا أمره، لكن ليس هذا هو الأصل، وإنما الأصل ما ذكرناه أولاً، ولذلك جاء في الحديث: «كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران..» (89) ، وفرق كبير بين أن تشير المرأة على زوجها أو أبيها أو أخيها أو أحد من محارمها الذين يجوز لها مخاطبتهم والجلوس إليهم والتحدث معهم، وبين مخالطتها للرجال الأجانب والجلوس معهم للتباحث وتبادل الآراء، والتي قد يطول فيها الأخذ والرد حتى تُعقد لذلك جلسات متعددة قد تطول وقد تقصر، تضطر فيها المرأة إلى التخلي عن وظيفتها الحقيقية التي لا يسد مسدها أحد، إضافة إلى المفاسد التي قد تتعرض لها وهي في غنى عنها والمجتمع كذلك.

5-الأمانة والقوة: صفتان مترابطتان لا بد منهما لمن تُسند إليه الأمور المهمة، وقد وردتا في القرآن في أكثر من موضع لتدل على هذه الحقيقة، فعندما طلبت ابنة الرجل الصالح من أبيها استئجار موسى ـ عليه السلام ـ قالت في حديثها عنه فيما قصه الله علينا: {يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26] ، وعندما أراد عفريت من الجن أن يأتي لسليمان ـ عليه السلام ـ بعرش ملكة سبأ قال فيما يدعم به طلبه: {وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] . وقال الله ـ تعالى ـ في حق جبريل ـ عليه السلام ـ في تزكيته له: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ «20» مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 20 - 21] . والقوة هنا ليست قوة الأبدان؛ وإنما قوة القلب ورباطة الجأش والثقة بالله والتوكل عليه في الصدع بالحق من غير تهيب ولا وجل، والإشارة بما يراه حقاً وصواباً، وإن خالفه الأكثرون، فلا يهاب قوة المخالف، ولا كثرة عدده، وقد «كانت الأئمة بعد صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم» (90) .قال ابن حجر - رحمه الله: «وأما تقييده بالأمناء؛ فهي صفة موضحة ؛ لأن غير المؤتمن لا يُستشار ولا يُلتفت لقوله» (91) .

الأسس التي تُبنى عليها أحكام الشورى في الجانب السياسي في الإسلام:

تنطلق أحكام الشورى من عدة أسس، أمكن حصرها فيما يلي:

1 ـ مرجعية الكتاب والسنّة.

2 ـ مسؤولية الخليفة المباشرة عن حراسة الدين وسياسة الدولة به.

3 ـ الاشتراك في المصلحة المبتغاة من الشورى.

4 ـ الاشتراك في المسؤولية عن بلوغ الحق ونشره والعمل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت