فهرس الكتاب

الصفحة 19840 من 27364

5 ـ عدم وجود حكم شرعي ملزم في المسألة موضع الشورى.

6 ـ عدم انحصار إدراك الحق والصواب في شخص واحد ولو كان أعلم أو أفقه أهل الأرض.

7 ـ عدم القدرة على الإحاطة التامة بالأمور كلها من قِبَل الفرد.

تنظيم شورى الخليفة:

ليس هناك ما يمنع في الشرع من أن يقوم الخليفة بتنظيم الشورى الخاصة به في مجلس شورى أو نحو ذلك، فيختار له من يثق فيهم ممن تتوفر فيهم صفات أهل الشورى، ويحدد عددهم، ويضع لهم التعليمات والضوابط التي تضبط العمل، ويستعين المجلس بمجموعات متخصصة في الأمور الفنية نظراً لتشعب التخصصات، واستحالة أن تحيط مجموعة صغيرة بجميع التخصصات، وأن تكون هناك متابعة ومراقبة شرعية من المجلس نفسه للتأكد من عدم مخالفة الاقتراحات للقواعد أو الأحكام الشرعية، ثم تُعرض الاقتراحات المختارة على الخليفة فيتدارسها معهم أو مع وزرائه ومعاونيه، ويعمل بما يرى أنه الأفضل من الاقتراحات المتقدمة، ويبقى بعد هذا كله حق الاحتساب من المتابعة والمراقبة لأهل الحل والعقد، سواء في اختيار أهل الشورى، أو في اختيار الاقتراحات للعمل بها، وإذا اختلف أهل الحل والعقد مع الخليفة أو أهل شوراه؛ فإن العمل في ذلك على ما تقدم ذكره (92) .

بين الشورى والديمقراطية:

نظراً لطغيان الفكر الديمقراطي وعلو صوته انطلاقاً من مركز القوة الذي تمثِّله الدول العاملة به؛ فإن كثيراً من المسلمين ـ وخاصة العصرانيين ـ يحاولون بكل ما أوتوا من قوة أن يثبتوا أن الإسلام دين ديمقراطي، أو أنه دين يدعو إلى الديمقراطية، أو على الأقل دين لا يعارض الديمقراطية بل يقبلها ويعتد بها، ويتسولون الدلالات من هنا ومن هناك، وقد تشبثوا في ذلك بأشياء كثيرة من أهمها «الشورى» ، ونحن نعرض هنا ـ في إيجاز يتناسب مع حجم البحث ـ للديمقراطية كما يراها أصحابها، ثم نقرر بعد ذلك أين الديمقراطية من الإسلام؟

الديمقراطية كلمة يونانية قديمة تعني حكم الشعب، لما كانت الدولة ناتجة من الوجود الجماعي للأفراد؛ كان الشعب المصدر الطبيعي لنشأة الدولة ودواعي وجودها، واستقر الفكر الديمقراطي على الإقرار بأن الشعب صاحب المرجعية العليا، وأن إرادته هي القانون، وقد عبَّروا عن ذلك بقولهم: «السيادة للشعب» ، والسيادة: سلطة عليا مطلقة بلا ند ولا شريك، متفردة بإنشاء الإلزام أمراً ونهياً وتصحيحاً وإبطالاً وعقوبة؛ في كل أمور المجتمع، فالشعب هو الذي يشرِّع القوانين عن طريق السلطة التشريعية، وهو الذي ينفذها عن طريق السلطة التنفيذية، وهو الذي يقضي ويعاقب الخارجين عن تشريعاته عن طريق السلطة القضائية.

وهناك عديد من الآليات التي يتبعها الفكر الديمقراطي لتحقيق هذه التصورات، والشورى مخالفة للديمقراطية في أصلها وفي آلياتها، فالشورى مسألة من مسائل الشريعة، والشريعة كلها مبنية على أساس توحيد الله وعبادته وحده وعدم الإشراك به، وأن الكتاب والسنّة هما الأصل والعصام اللذان يُرجع إليهما في الأمر والنهي والإيجاب والتحليل والتحريم والتصحيح والإبطال والجزاء وفي كل شيء، فالدين قائم على رجوع المسلم في كل شيء لكتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ وسنّة رسول صلى الله عليه وسلم ، والتي هي أيضاً مما أوحاه الله تعالى.

وبالمقابلة يتبين أن الديمقراطية كفرت بالله ربِّ العالمين آمراً ناهياً في شؤون المجتمع وإن لم تكفر به خالقاً رازقاً، وآمنت بالشعب ربّاً يُشَرّع فيأمر وينهى ويضع القوانين والتنظيمات حسب تصوراته الذهنية ومعارفه وخبراته، وهذه مسألة لا تمثل عند الديمقراطيين الحقيقيين سبّاً ولا هجاءً؛ إنما هي الحقيقة التي يقرُّون بها ويعترفون، فالديمقراطية تقيم نظاماً سياسياً علمانياً: «فالديمقراطي يمكن أن يكون بروتستانتياً أو يهودياً، ملحداً أو مؤمناً، ففيما يتعلق بالدين يمكن القول إن الديمقراطية مذهب محايد يتمثل في مجموعة من المعتقدات العلمانية الصرفة، فالمفهومات الديمقراطية لا ترتبط بالبواعث الدينية أو المضادة للدين، وأي نزاع بين الدين والسياسة الديمقراطية يمكن أن يحدث فقط عند إقحام التعاليم الدينية في الشؤون السياسية .. والديمقراطي ـ نظراً لمعتقداته السياسية ـ لا يقبل ولا يرفض أي تعاليم دينية» (93) . وأما من حيث الآليات فقد عمد الفكر الديمقراطي إلى الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية - التنفيذية - القضائية) ، وذلك منعاً للفساد السياسي أو الاستبداد، وللحفاط على حقوق الناس وعدم تعريض حرياتهم للخطر.

وأما الآلية المعتمدة للوصول إلى الحكم؛ فقد اعتمد الفكر الديمقراطي على النظام النيابي القائم على تعدد الأحزاب، حيث يرشح الأفراد أنفسهم أو ترشحهم الأحزاب التي ينتمون إليها، ويتقدمون للشعب عارضين أفكارهم ورؤاهم طالبين من الشعب أن يمنحهم موافقتهم، وتعد الأحزاب الحائزة على أغلبية موافقة الشعب هي الأحزاب المعبِّرة عن الإرادة الشعبية، وهي المخوَّلة حق ممارسة السيادة لأنها تمثل صاحب السيادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت