فهرس الكتاب

الصفحة 19841 من 27364

وبالنظر إلى الديمقراطية من حيث أصلها ومن حيث آلياتها من المنظور الشرعي؛ نجد أنها باطلة. وبالنظر إليها من داخلها؛ نجد أنها غير مستطيعة لتحقيق ما أقامت نفسها لأجله، ومن هنا يأتيها البطلان من داخلها أيضاً، فإذا كانت الآليات المطبقة في الفكر الديمقراطي هي لتحقيق العنصر الأساس وهو السيادة للشعب؛ فإنا نقول إن السيادة في الحقيقة إنما هي لطائفة قليلة جداً جداً بالنسبة لمجموع الشعب، وهي تمثل النخبة السياسية، وبيان ذلك من وجوه عدة فمن ذلك: وجود عدة أحزاب يتقاسمون أصوات الناخبين؛ مما يجعل الأصوات موزعة على عدة اتجاهات، ومنها عزوف كثير من الناس عن المشاركة في الانتخابات، وهو الذي يُعبَّر عنه بـ «اللامبالاة السياسية» ، وهي ظاهرة واضحة، ومنها أن قوانين الانتخابات تحدد شروطاً لمن يحق له المشاركة فيها، وهي تُخرج عدداً كبيراً من الناس لعدم بلوغهم السن الانتخابي، أو لارتكابهم بعض الجرائم، أو لكونهم لا يتمتعون بحق المواطنة في الدولة التي يقيمون فيها. ومنها أن هناك أصواتاً باطلة.

ومن هنا يتبين أن الحزب الفائز في الانتجابات بالأغلبية هو في حقيقته أقلية بالنسبة لمجموع الشعب، ويزداد هذا الأمر وضوحاً عندما تكون الأغلبية الفائز بها أغلبية ضئيلة قد تصل أحياناً إلى 51 % أو 52 % (94) ، فكيف يكون هؤلاء معبرين عن الشعب بينما هناك 48 % يخالفونهم ولا يوافقونهم؟ حتى الحزب الفائز لا يشارك في الحكم جميع أعضائه، وإنما تشارك في السلطة التشريعية منه نخبة لا تزيد في أكثر البلدان عن خمسمائة فرد من الشعب الذي قد يزيد تعداده عن مائة مليون فرد.

وإذا تجاوزنا ذلك فلنا أن نقول:

أ- إن هذا التمثيل أو النيابة عن الشعب في السيادة أمر لا يمكن تحقيقه ولا التحقق من حصوله، فإذا كانت السيادة تعني إمضاء إرادة الشعب؛ فكيف يمكن التنازل عن الإرادة؟ وكيف يمكن معرفة إرادة كل فرد عند كل موضوع أو عند كل تشريع حتى يمكن القول بأنه تنازل عنها؟ وعلى ذلك فإنه يستحيل القول بأن ما يبديه النواب في المسائل المعروضة في المجلس النيابي إنما هو تعبير عن إرادة الناخبين.

ب- ثم إنه من حيث تعدد الأحزاب الممثلة في المجلس النيابي لا تكون هناك إرادة واحدة، بل عدة إرادات متعارضات، وقد يكون الفارق في العدد بينها قليلاً، فأي تلك الإرادات يُعَدُّ معبِّراً عن الإرادة الشعبية؟!

ج- والدستور وهو أعلى وثيقة قانونية في الدولة، وهو الذي يحدد المسؤوليات والاختصاصات، ويقسم السلطات، ويبين النظام السياسي والتوجه الاقتصادي وغير ذلك، المفترض فيه أنَّ وضعه على هذا النحو إنما جاء من قِبَل الإرادة الشعبية، وإذا صدق هذا على الدستور عند وضعه أول مرة ـ وإن كان لا يصدق في الحقيقة ـ فإن الدساتير تظل تحكم البلاد حتى بعد انقضاء الجيل الذي وضعها انقضاء تاماً، ومعنى هذا أن الأجيال اللاحقة تُحكم بإرادة شعبية لجيلٍ قد صار جيفاً تحت التراب.

د- قد يحدث أن يتم الرجوع إلى الشعب مباشرة لأخذ رأيه في موضوع ما عن طريق الاقتراع أو الاستفتاء، وهذا الرجوع ينافي تفويض الشعب للمجلس النيابي ليكون معبِّراً عن الإرادة الشعبية، ثم إن هذا الرجوع رجوع صوري لا قيمة له حقيقة؛ إذ إن مشكلات الدولة الحديثة ذات تعقيدات كبيرة تحتاج إلى طابع فني تخصصي بالدرجة الأولى، ولا يتمكن الأفراد العاديون ـ وهم أغلبية الناخبين ـ من تقدير هذه الأمور تقديراً حسناً، أو فهمها فهماً جيداً، وعلى ذلك فإن موافقتهم عليها أو معارضتهم لها تُعَدُّ مجرد مسايرة للأمر السائد بين الناس، والذي يقوم الإعلام الموجّه بدور كبير في إيجاده، وبالتالي فليس هناك قدرة حقيقية على الاختيار الحر، وقد يحاولون التغلب على ذلك بأن تتم صياغة الاستفتاء أو الاقتراع على أشياء محددة شديدة العمومية من غير دخول في تفصيلات فنية، لكن لنا أن نقول: وما قيمة الموافقة أو المخالفة لمثل ذلك؟!

وبالنسبة لآلية الفصل بين السلطات فالملاحظ عليها عدة أمور:

1 ـ أن هذه الآلية إنما هي حل ضمن إطار المشكلة التي تعاني منها الأنظمة الوضعية جميعها؛ ألا وهي غياب المرجعية العليا خارج النطاق البشري.

2 ـ أن هذه الآلية إنما هي حل وقتي للمشكلة؛ لذا لم تبق على حالتها التي ظهرت عليها أول مرة، بل أخذت تتطور وتتنقل من صورة لأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت