فهرس الكتاب

الصفحة 19842 من 27364

3 ـ أن التطور الحاصل في الأنظمة السياسية المعاصرة؛ قد جعل هذه الآلية من مخلَّفات الفكر السياسي ولم يعد لها في الواقع إلا وجود شكلي ـ وإن كانت تظهر بشكل أوضح في النظام الرئاسي ـ، وأن كل الأنظمة المعاصرة تتجه الآن إلى جعل السلطة التنفيذية في موقع أعلى من السلطة التشريعية ـ رغم أنها المعبِّرة عن الإرادة الشعبية ـ، وهذا هو الواقع فـ «إذا كان مبدأ فصل السلطات يقضي لأول وهلة بأن يعمل البرلمان مستقلاً عن الحكومة؛ فإن حقائق الأشياء تبدو عند الفحص الدقيق في صورة مغايرة، فالحقيقة أن الحكومة (السلطة التنفيذية) تتحكم في عمل البرلمان (السلطة التشريعية) إلى حد كبير» (95) ، «وفي جميع أنحاء العالم تلعب الحكومة دوراً هاماً في تشكيل المجالس النيابية، سواء شُكِّلت هذه المجالس عن طريق الانتخاب الخالص أو عن طريق الجمع بين الانتخاب وبين التعيين» (96) ، ولم تستطع الأنظمة الديمقراطية التي تبنت هذه الآلية بصورة قوية (النظام الرئاسي) أن تستمر على ذلك، واضطرت في نهاية الأمر إلى إيجاد نوع من الاتصال والتعاون بين السلطتين (97) .

وبالنظر إلى النظام الانتخابي القائم على أن الفائز بالأغلبية في الانتخابات هو الذي يُشكِّل الحكومة (السلطة التنفيذية) ؛ فإننا نجد ـ والحالة هذه ـ أن أغلبية المجلس النيابي (السلطة التشريعية) والحكومة (السلطة التنفيذية) ينتميان إلى حزب واحد، وهنا لا يكون الفصل بين السلطات أكثر من مجرد حبر على ورق، فيكون أكثر هَمِّ نواب حزب الأغلبية الدفاع عن الحكومة وتصرفاتها، كما أن النواب في تشريعاتهم إنما يراعون توصيات الحكومة في ذلك، والتي يتم الاتفاق عليها في الاجتماعات في مقار الأحزاب، فالفصل هنا صوري إلى حد بعيد، وقد تعارض أحزاب المعارضة أو الأفراد المستقلون في المجلس، وقد تسأل وتستفسر لكن الأمور تُقضى في هذه المجالس بالأغلبية، وعند أخذ الأصوات؛ فإن الأغلبية ستعطي رأيها لحزبها انطلاقاً من مبدأ الالتزام الحزبي، وعلى ذلك فالمراقبة هنا شكلية إلى حدود بعيدة، والهدف المتوخى من الفصل بين السلطتين ـ وهو الحفاظ على حقوق وحريات المواطنين ـ يضيع باندماج السلطتين كما هو الواقع.

والسلطة يناظرها في الشرع لفظ «الولاية» ، فالسلطة القضائية يناظرها: ولاية القضاء، والسلطة التنفيذية يناظرها: الخلافة وما يتفرع عنها من ولايات، وليس في الإسلام سلطة تشريعية أي ولاية تشريعية، وبإخراج التشريع من البشر يُحافظ فعلاً على حقوق الشعوب وحرياتها، فمهما كان التشريع محققاً للإرادة الشعبية؛ فهو لم يخرج عن أن جعل الناس عبيداً لمن وضع هذا التشريع، وأما التشريع في الإسلام فهو لله ربِّ العالمين، يحكم في خلقه بما يشاء، فهو خالقهم ورازقهم، وهو يحييهم ويميتهم ويحاسبهم، ولذلك فهو الذي يُشرّع لهم.

والإسلام فيه الاجتهاد المنضبط المعتمد على الأدلة الشرعية ـ تحقيقاً لعبودية الناس لرب العالمين دون ما سواه ـ والقدرة على الاجتهاد فضيلة من الفضائل؛ من اكتسبها بشروطها فهو من أهلها لا يُحجز عنها ولا يُمنع منها حاكماً كان أو محكوماً، ومن لم يكن لذلك أهلاً حيل بينه وبين الاجتهاد، يستوي في ذلك المسلمون جميعهم.

والقضاء في الإسلام ولاية داخلة في صلاحيات الخليفة، فيجوز له أن يقضي ـ إذا كانت تتوفر فيه شروط القضاء وهو الأصل ـ، كما يجوز له أن يفوِّض أو ينيب غيره في ذلك ممن تتوفر فيهم شروطه، ومع أن القضاء ولاية تابعة للخليفة؛ لكنه لا يجوز له أن يقضي برأيه بل بما في الشريعة من أحكام، كما لا يجوز له التدخل في عمل القاضي الذي ينيبه في القضاء، فلا يحق له أن يلزمه بالقضاء بمذهب معين، ولا يحق له أن ينقض حكمه ولو خالف اجتهاد الخليفة ما دام أنه لم يخالف كتاباً أو سنّة أو إجماعاً، ولا يحق له أن يعزله عن القضاء إلا بسبب يستوجب العزل، ولذلك اتفق أهل العلم على أن الإمام لو ولَّى قاضياً القضاء بشرط أن يقضي بمذهب معين؛ فإن هذا الشرط باطل لا يجب الوفاء به، وفي فساد تلك التولية وجهان:

وجه يقول: الشرط باطل والولاية غير صحيحة.

والثاني يقول: الشرط باطل والولاية صحيحة، ويقضي القاضي بما يؤديه إليه اجتهاده (98) ، وبهذا يظهر الاستقلال التام للقضاء الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت