وأما بالنسبة لآلية الأحزاب فقد أخفقت في تحقيق المبدأ الأساس في الديمقراطية وهو تحقيق السيادة الشعبية، ذلك أن الحزب الفائز ولو كان يتمتع بأغلبية مطلقة في المجلس النيابي، ولا تكاد توجد أحزاب أخرى تشاركه ـ وهذا من النادر بل المستحيل في ظل الانتخابات الحرة ـ؛ فإن الذي يدير الحزب هو الهيئات الرئاسية للجان الحزب بجانب رئاسة الحزب العامة، «فهي التي تحدد موقفه من مشاكل الدولة، ثم تحدد لممثلي الحزب في البرلمان خطة يسيرون عليها؛ بحيث لا يحيد عنها إلا من التزم الاستقالة من حزبه، وهكذا يصبح النائب ممثلاً لحزبه لا للشعب أجمعه» (99) . وفي حالة عدم تمكن الأحزاب من الأغلبية المطلوبة التي تمكنهم من تشكيل الحكومة؛ فإن الأحزاب تلجأ إلى إقامة ائتلاف بين عدة أحزاب لتحقيق الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، ويحدث في هذه الحالة تنازلات من الأحزاب لتكوين ذلك الائتلاف؛ بحيث لا تكون الرؤية النهائية للائتلاف معبِّرة عن رؤية حزب على الانفراد، وفي هذه الحالة فإن الائتلاف يكون ضعيفاً هشاً، ويتعرض للابتزاز السياسي من بعض أحزاب الأقلية، فيوافق الائتلاف على طلبات أو تصورات أحزاب الأقلية ـ وإن لم يكن مقتنعاً بها لتفادي سقوطه ـ، وعليه فإن الحكومات تصبح أسيرة لدى أحزاب الأقلية؛ إذ تملك هذه الأحزاب أن تمنح الحكومة ثقتها فتبقيها في الحكم، أو ترجح كفة المعارضة فتسقط الحكومة؛ مما يعني أن بضعة نواب هم المتحكمون حقيقة في السلطة، وهذا أيضاً فشل في تحقيق سيادة الشعب، وقد حاول الفكر الديمقراطي أن يتغلب على هذه الصعوبة باللجوء إلى نظام الحزبين، حيث تتبلور القوى السياسية في المجتمع حول حزبين كبيرين؛ مما يمكن أحدهما باستمرار من الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، لكن هذا الحل يؤدي إلى أن يكون كل حزب وكأنه مكوَّن من مجموعة من الأحزاب الصغيرة فيما يعرف بالأجنحة، وقد تحتدم الخلافات بين تلك الأجنحة عند بعض القضايا المهمة فتؤدي إلى تفتيت الحزب، وقد يحدث أن يسيطر قادة الحزب على تلك الخلافات بتغليب بعض الأجنحة على بعض، فيسقط بذلك شعار حرية النائب في التعبير عما يراه صواباً.
من خلال ما تقدم يظهر الفرق بين الشورى وبين الديمقراطية، ويتبين أن دعوى بعض الناس بأن الإسلام دين ديمقراطي أو أن الديمقراطية هي تطبيق عصري للشورى؛ دعوى باطلة عارية عن الصواب.
الخاتمة
مستقبل النظام السياسي الإسلامي في عالمنا المعاصر
كان ما تقدم بعض الأحكام والمؤسسات والمعالم الرئيسة المتعلقة بنظامنا السياسي، ويحق لنا أن نتساءل بعد الغياب الطويل له: ما مستقبل نظامنا السياسي في تلك الأوضاع المعاصرة؟ نستطيع أن نرصد هنا العديد من التحديات والمعوقات التي تواجه عودة النظام السياسي الإسلامي مرة أخرى إلى الواقع، ويمكن تقسيمها إلى تحديات خارجية ومعوقات داخلية.
فمن التحديات الخارجية:
1-تميل كفة ميزان القوى في العالم إلى المعسكر المعادي للإسلام ميلاً كبيراً، وهذه القوى ترفض بشدة عودة النظام السياسي الإسلامي مرة أخرى، بل هي التي سعت بكل قوة حتى تمكنت من إسقاط الخلافة العثمانية وتفتيتها إلى دول متفرقة.
2-رياح العولمة التي بدأت تهب بكل قواها على بلاد المسلمين، والتي تحاول أن تصهر المسلمين مع غير المسلمين في نسق ثقافي وفكري واجتماعي واحد، وتذويب الخصوصيات والقضاء على الهويات.
3-حرص المعسكر المناوئ للإسلام على نشر أفكاره وثقافته المتعلقة بالنظام السياسي، وتصدير نسقه الديمقراطي من حيث التصورات والآليات، ومحاولة فرض ذلك بالقوة سواءً بالتهديد أو باستخدامها.
ومن المعوقات الداخلية:
1-سيطرة الأنظمة العلمانية على كثير من بلاد المسلمين، وموالاتهم للمعسكر المعادي للإسلام لاشتراكهما في الهدف.
2-جهل الكثير من أبناء الأمة بأحكام النظام السياسي في الإسلام.
3-انهزامية كثير من أبناء الأمة واغترارهم بالنظم المعاصرة.
4-قلة بل ندرة المؤلفات المعاصرة ذات الأصالة في النظام السياسي الإسلامي؛ إذ جل - إن لم نقل جميع - ما هو مكتوب في ذلك إنما هو متأثر - على درجات متفاوتة فيما بينها -بالفكر الديمقراطي وما يقدمه من حلول ومؤسسات في إدارة الدولة وحل الإشكالات بين الحكومات والمعارضة.
5-قلة الكتب المنشورة مما دوَّنه الفقهاء القدامى، إضافة إلى أن الحلول التنظيمية التي تقدمها تلك الكتب إنما تعالج أوضاع العصر الذي كتبت فيه.
6-ضعف عناية الدعاة بمسائل هذا الباب.
ومستقبل النظام السياسي متوقف على قدرة المسلمين على التغلب على التحديات والمعوقات، وليس من الواضح أن يتم في المنظور القريب التغلب على تلك التحديات والمعوقات إلا أن يحدث شيء غير عادي، ولكن هذا لا يمنع من البداية والثبات على العمل حتى يؤتي ثماره، والخطوة الأولى في هذا المجال هي نشر العلم بذلك وإيصاله لفئات الشعب المختلفة؛ كل بالطريقة التي تناسبه، وهذا يعني أنه لا بد من الاستثمار في هذا الجانب، وقد يكون ذلك عبر الوسائل التالية:
1-بناء المواقع على الشبكة العالمية المتخصصة في هذه المسائل.