فهرس الكتاب
أن العقل المصري منذ عصوره الأولى عقل أن تأثر بشيء فإنما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط ، وإن تبادل المنافع على اختلافها فإنما يتبادلها مع شعوب البحر الأبيض المتوسط . انتهى النص
ويحلل الدكتور محمد حسين كلام طه حسين قائلاً[ إذاً فالعقل المصري القديم ليس عقلاً شرقياً ، إذا فهم من الشرق الصين واليابان والهند وما يتصل بها من الأقطار .
وقد نشأ هذا العقل المصري في مصر متأثراً بالظروف الطبيعية والإنسانية التي أحاطت بمصر وعملت على تكوينها ... فإذا لم يكن بد من أن نلتمس أسرة للعقل المصري نقره فيها فهي أسرة الشعوب التي عاشت حول بحر الروم .
وفي السبيل على التدليل على اعتبار صلات مصر بالغرب أوثق من صلاتها بالشرق كثيراً ما جآر الدكتور طه حسين على التاريخ كي يقيم مذهبه الذي يزعمه ولا مانع عنده من قلب الحقائق وذالك في مثل تصويره العرب غزاة ، دخلاء لا يطمئن إليهم المصريون في الوقت الذي يصورهم فيه مطمئنين إلى الفتح اليوناني لا ينكرونه ولا يتمردون عليه ، فيقول الدكتور طه حسين في العرب:
( والتاريخ يحدثنا كذالك بان رضاها( يعني مصر ) عن السلطان العربي بعد الفتح لم يبرأ من السخط ولم يخلص من المقاومة والثورة وبأنها لم تهدأ ولم تطمئن إلا حين أخذت تسترد شخصيتها المستقلة في ضل ابن طولون وفي ضل الدول المختلفة التي قامت بعده ) ثم يقول الدكتور طه حسين عن الفتح اليوناني ( فلما كان فتح الإسكندر للبلاد الشرقية واستقرار خلفائه في هذه البلاد اشتد اتصال الشرق بحضارة اليونان ، واشتد اتصال مصر بهذه الحضارة بنوع خاص وأصبحت مصر دولة يونانية أو كاليونانية ، وأصبحت الإسكندرية عاصمة من عواصم اليونان الكبرى في الأرض )
ويمعن الدكتور طه حسين في التضليل والتزييف والتزوير فيحاول أن يبين أن الإسلام لم يخرج المصري عن مصريته ولا ينبغي له أن يفعل وقيس ذالك بالمسيحية التي لم تخرج الأوربي عن خصائصه الأوربية .
ثم يعقد مقارنة بين الإسلام والمسيحية ليصل منها إلى ما يريد أن يدعيه من تقاربهما واتفاقهما في التأثر بالفكر اليوناني ولينتهي من ذالك إلى تأكيد وحدة الحضارة في حوض البحر الأبيض المتوسط ويختم ذالك بقوله ( ولا ينبغي أن يفهم المصري أن الكلمة التي قالها إسماعيل وجعل بها مصر جزءاً من أوربا قد كانت فناً من فنون التمدح ولوناً من ألوان المفاخرة ، وإنما كانت مصر دائماً جزءاً من أوربا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية على اختلاف فروعها وألوانها ) !!!
ويقرر الدكتور طه حسين بعد ذالك كله أن سبيل الحضارة الغربية هو السبيل الذي لابد لنا من سلوكه والمعنى فيه لا لأن تاريخنا يؤيد هذا المذهب في زعمه ، ولا لأن مصلحتنا تقتضي ذالك على ما يدعي ولكن لأن التزاماتنا الدولية في المعاهدة التي يسميها ( معاهدة الاستقلال ) تجبرنا على ذالك ، فيقول الدكتور طه حسين [ بل نحن قد خطونا أبعد جداً مما ذكرت فالتزامنا أمام أوربا أن تذهب مذهبها في الحكم ، وتسير سيرها في الإدارة ونسلك طريقها في التشريع . التزامنا بهذا كله أمام أوربا . هل كان إمضاء ( معاهدة الاستقلال ) . ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزاماً صريحاً قاطعاً أمام العالم المتحضر بأننا نسير مسيرة الأوربيين في الحكم والإدارة والتشريع ؟ فلو هممنا الآن آن نعود إدراجنا وأن نحيي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذالك سبيلا ولوجدنا أمامنا عقبات لا تجتاز ولا تذلل ]
وفي أعماق الدكتور طه حسين جرح غائر من الأزهر لمواقفه منه بدءاً من رسوبه وفشله في الحصول على شهادة العالمية منه ثم تصدي الأزهر له بسبب كتابه ( في الشعر الجاهلي ) لهذا ينضح كتاب ( مستقبل الثقافة في مصر ) حقداً وعداوة على للأزهر .
وأول ما ينبغي أن يزال عند طه حسين هو الأزهر .
فهو يتحدث عنه أول ما يتحدث في الفقرة السابقة من كتابه فيصوره أثراً من مخلفات العهود المتأخرة المنحطة ومشكلة المشاكل التي تتطلب حلاً وذالك حين يقول ( وقد استبقينا الأزهر الشريف نفسه ولكن أزمة الأزهر الشريف متصلة منذ عهد إسماعيل أو قبله ولم تنته بعد وما أضنها ستنتهي اليوم أو غداً ولكنها ستستمر صراعاً بين القديم والحديث حتى تنتهي إلى مستقر لها في يوم من الأيام .
ويحتل مؤلف الكتاب طه حسين لذالك الأزهر الذي لا يستطيع المجاهرة بإلغائه لأن وقت ذالك لم يحن بعد فيطالب بأن تشرف الدولة على التعليم الابتدائي والثانوي فيه ما دام مصراً على أن يستقل بهما بنفسه .
ومؤلف الكتاب طه حسين لا يخفي هدفه هذه المرة ولكنه يصرح به في بوضوح: