فهرس الكتاب

الصفحة 20239 من 27364

وقد بدأ لويس كتاباته النقدية متأثرًا بفكرة « الالتزام » النابعة من الواقعية الاشتراكية ، أو قل من النظرية الماركسية تحديدًًا ، حيث كان يرى كل شىء ( أحمر ) ... الحشائش حمراء ، والسموات حمراء ، والرمال والمياه وأجساد النساء وأحاديث الرجال والفكر المجرد كلها غدت بلون الدماء ، حتى الأصوات والروائح والطعوم غدت حوله حمراء كأنما شب في الكون حريق هائل .. « فمن رأى السلاسل تمزق أجساد العبيد لم يفكر إلا في الحرية الحمراء .. (1) .

وهكذا يدعو لويس إلى الخروج على تقاليد الفن الشعرى وتحطيم عمود الشعر العربى اقتداء بالشعر الغربى دون طرح أسباب علمية لها من وجاهة الرأى والاجتهاد ، ما يجعل الباحث يضعها في ميزان الدرس الجاد ، وقد لاحظ ذلك بعض نقاد لويس حين رأى أن مقدمة لويس التى جعل عنوانهًا: « حطموًا عمود الشعر » تميزت بالنبرة الزاعقة ، وعدم معرفة لويس بمفهوم الشعر العربى ، وتجنبه للكلام عن عروض الشعر بكلمة واحدة ، ومثل هذا الكلام المسهب الذى قاله لويس عن العروض الجديد والعروض القديم « كان لا بد أن يحتوى على شىء من التحليل النقدى لهما معًا .. ، أو لأي منهما ، ولكننا لا نجد شيئًًا من ذلك مطلقًًا ، كأن الموضوع حماسى وشعورى ، وليس موضوعًا علميًا ومعرفيًا بأي شكل » (2 ) .

ولم يكتف لويس بالدعوة إلى متابعة الشعر الغربى - دون أن يضع في حسبانه طبيعة الشعر العربى - بل كان يدعو الشعراء الذين يريدون النشر في « الأهرام » إلى التزحيف والتعليل ، وعدم الالتزام بالقافية ، ونفى الشعر الخليلى تماما ، حيث رأى أن التفعيلة الصحيحة عبء على الشعر يجب التخلص منها . وقد ذكر « عبده بدوي » أن المترددين على لويس أيام كان مشرفًًا على القسم الأدبى في « الأهرام » يؤكدون أنه غير راض عن التفعيلة في صورتها الصحيحة ، فالتفعيلة التى ترضيه ليست التفعيلة المتعارف على صحتها ، ولكن التفعيلة التى بها نوع من النشاز، « ولكى نكون منصفين لموقف الرجل نذكر أن الشاعر « عبد المنعم عواد يوسف » ذكر لنا أمام عدد دباء كبير من الأدباء أنه سلم قصيدة للدكتور لويس ، فإذا به لا يرى بها عيبًا غير أن التفعيلة عنده تأتى سليمة ، ثم نصحه قائلا: ( زحف وأكثر من العلل ) !! وقد تواتر هذا الخبر ، وكان آخر من رواه الشاعرة « وفاء وجدى » ، فقد أعادت الرواية التى ذكرها الشاعر عبد المنعم عواد يوسف ، مع فرق واحد هو ( زحفي وعللي ) ! فهذا شرط الشعر الممتاز . بل لقد وصل الحد إلى أن بعض الشعراء قد ذكر أن الدكتور عاتب عليهم لأنهم يقولون شعرًا عموديًا ، وحين ذكر واحد منهم أنه شعر قديم لديه يريد « تسويقه » قال له: انشره في أى مكان إلا في القاهرة » (3 ) .

ويبدو أن سعى لويس إلى هدم الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر في الأدب العربى ، كان مبعثه قصوره الأدبي ، وعدم استيعابه للشعر ، وبخاصة أنه يعترف بأنه لم يقرأ اللغة العربية طوال فترة تقرب من اثنتي عشرة سنة ( من سن العشرين إلى الثانية والثلاثين ) ، كما يعترف في سابقة خطيرة ، بأن إحساسه باللغة العربية أجنبى جدًا على كل حال (4 ) .

هذا القصور المعرفى بالأدب العربي ، والشعر خاصة ، رافق لويس طوال حياته في الواقع الثقافي ، ودفعه لاحتضان الخارجين على التقاليد الأدبية والقيم الفنية ، وبشر بهم بوصفهم طلائع التجديد والتحرر ، متناسيًا أن أستاذه « ت. س. إليوت » ، الذى يزعم لويس أنه تأثر به كثيرًا ، قد حرص على التوكيد مرارًا أن التقاليد الأدبية لها احترامها ، وأن التجديد الحقيقى لا يتم إلا من خلالها ، وهو ما عرفه أدبنا العربى قديما وحديثًا من خلال أبى تمام والمتنبي والبارودي وشوقي والعقاد وعلي أحمد باكثير ومحمود حسن إسماعيل ونازك الملائكة ...

ومن المفارقات العجيبة أن ينتقد لويس المجددين الرواد الذين حاولوا التقدم إلى ألوان أدبية جديدة ، وإثراء شعرنا العربي ، فهو مثلا ينتقد أحمد شوقي وعزيز أباظة بسبب عدم إدراكهما - في زعمه - للفارق بين الشعر المسرحى والمسرح الشعرى (5 ) ، وبدلا من أن يشيد بجهدهما ودخولهما إلى ميدان جديد على الشعر العربى يصدر حكما عاما عليهما بالقصور دون أن يقدم مثالا واحدًا على ذلك ، بالرغم مما يمكن أن نجده من أداء فنى جيد في بعض مسرحياتهما الشعرية على الأقل .

أيضًا ينتقد كتاب نازك الملائكة « قضايا الشعر العربى المعاصر» الذى حاولت فيه أن تطرح تصورها لشعر التفعيلة وأبعاده ، وشرح حركة التجديد الحديثة بصورة عامة ، دون أن يشير إلى ما أثارته من آراء أو يناقشها مناقشة علمية ، ولكنه يكتفى بوصفها أو تصنيفها سياسيًا بأنها من شعراء اليمين المتطور الذكي ، أو المحافظين المتطورين الأذكياء الذين يحاولون منع ظهور الجديد بتبني شعاراته ، وإدخال بعض التعديلات على الثوب القديم ليبدو في زي جديد (6 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت