فهرس الكتاب
إنَّ هؤلاءِ البؤساءِ لا يعرفونَ معنى حلاوةِ الإيمان ِ ، ولا طعمَ العبادةِ ولذّةِ المناجاةِ ، فلفرطِ بعدهم عن اللهِ أظلمتْ قلوبُهم ، ورقّتْ أفهامهم ، وخارتْ عزائمهم ، وأصبحوا يعلمونَ ظاهراً من الحياةِ الدنيا وهم عن الآخرةِ هم غافلونَ .
إنّهُ الرانُ ، حينَ يغشى القلوبَ ، فتعمى وتعشى عن الهُدى ، فتنتكسَ وتنقلبَ ، فيغدو الحقُّ باطلاً ، والمعروفُ منكراً ، فلا تعرفُ إلا هواها ، ولا تريدُ غيرَ مبتغاها ، فتهيمُ في أوديةِ الدنيا ، وتتردّى في مهاوي الشقاءِ والتيهِ ، فلا تلقى إلا صدراً حرجاً ضيّقاً ، كأنّما يصّعّدُ في السماءِ .
و ارحمتا لهُ ولحالهِ ، كم هو مسكينٌ واللهِ .
هذا بعضُ تهوّرهِ - وهبهُ اللهُ فهماً ورزقهُ عقلاً - فيما كتبَ واستطالَ بهِ على القرّاءِ الكِرام ِ ، ومن تتبّعَ سقطاتهِ وجدها على قارعةِ الطريق ِ سهلة َ المُتناول ِ ، حمىً مباحاً لكلِّ أحدٍ .
إنَّ هذا السرحانَ كغيرهِ من عقلانيِّ العصر ِ ، ومتسولةِ الفكر ِ ، والذينَ يُحاولُ جاهداً أن يحذوَ حذوهم ، ويسيرَ في ركابهم ، ويقلّدهم فيما يطرحونَ ، مع أنّهُ لا يفقهُ كثيراً ممّا يقولونَ ، وإنّما ينتشي فرحاً بما يجدُ ، ثمَّ يمتطي جوادَ فكرهِ المتبلّدِ ، ليكتبَ جملاً وعباراتٍ يسمّيها تجوّزاً:"حروفٌ وأفكارٌ"، وهي بريئة ٌ من الفكر ِ براءة َ هبنّقة َ من الفطنةِ والذكاءِ ، فتجيءَ وقد حوتْ زيفاً ، واشتملتْ تدليساً ، فلا هو بالذي انتفعَ بما يكتبُ ، ولا هو بالذي حرسَ غفلة َ قومهِ ، أو حصّنَ عورتهم ، بل دلَّ العقلاءَ على خطل ِ رأيهِ ، و أبانَ مخبوءَ حالهِ ودفينَ جهلهِ .
عندما تقرأون لأمثال ِ هذا المهيريج ِ المهذّبِ ! ، لا بدَّ أن تستعرضوا ما بينَ السطور ِ من مكر ٍ وتلبيس ٍ ، وتستخرجوا منها أباطيلهِ وألاعيبهُ ، فتطربوا حيناً وتسترجعوا أخرى ، فمثلُ هذا الباحثِ المُنصفُ الحصيفِ ! جديرٌ بأن يكونَ معلماً بارزاً ، ونُصُباً تذكارياً ، لخنفشاريٍّ حديثِ الفكر ِ ، كثير ِ التخبّطِ ، يُعاني من عسر ٍ هضم ٍ للمعلوماتِ ، وتهتّكٍ في خلايا الفهم ِ والاستيعابِ ، لينالَ بجدارة ٍ لقبَ: سِرحان ِ العصر ِ .
لقد كذبتِ المعتزلة ُ من قبلُ والجهميّة ُ والملاحدة ُ والفلاسفة ُ ، ثُمَّ مشى على دربهم وسلك طريقهم الصليبيّونَ من المستشرقينَ ، وتابعهم دعاة ُ العقلنةِ والتغريبِ ، وحاولوا أن يطفئوا نورَ اللهِ بأفواههم وأقلامهم ، وتباروا جميعاً ليكونوا أشقى القوم ِ ، في وأدِ القيم ِ ودثر ِ الفضائل ِ ونشر ِ التبرّج ِ والسفور ِ ، والتعالي على تعاليم ِ الشرع ِ ، فجاءهم سوطُ ذي النقم ِ ، وجهّزَ لهم بمكر ٍ لطيفٍ منهُ عباقرة ً أفذاذاً ، فبيّنوا للنّاس ِ زيفهم ، وكشفوا عوارهم ، وجعلوهم عبرة ً للنّاس ِ .
ولا تنسوا دوماً: إنَّ للبيتِ ربا يحميهِ .