فهرس الكتاب
لاحظوا عِبارة َ:"ما يمتُّ إلى الخلافةِ بصلةٍ"! ، وكأنَّ الأمرَ لم يعدُ عن كونهِ تغييرَ لنظام ِ حكم ٍ بنظام ٍ آخرَ بديل ٍ ، والمسألة ُ مسألة ُ حضارةٍ وتقدّم ٍ ، ويُقابلها آخرونَ قابعونَ في التخلّفِ ، متقوقعينَ على أنفسهم ، منكفئينَ على ذواتِهم ، وهو في هذا يذهبُ بعيداً ، فيختلسُ من قارئهِ الموافقة َ على أنّ أساسَ الخلافِ هو هذا فقط ، وهو أمرٌ لم يقلهُ حتّى دهاقنة ُ الكفر ِ وعباقرة ُ الباحثينَ منهم ، برغم ِ عظيم ِ حقدهم على الإسلام ِ ، ومحاولتهم للنيل ِ منهُ ومن دولتهِ ، إلا أنّهم أنصفوا جدّاً ، حينما ذكروا أتاتوركَ ، وكيفَ أنَّ الرجلَ هدمَ صوى الإسلام ِ ومنارها في تركيّا ، وحوّلها إلى دولةٍ علمانيّةٍ لا دينيّةٍ ، وكانَ يقصدُ إزالة َ جميع ِ مظاهر ِ الديانةِ ما أمكنهُ ذلكَ ، وتضييق ِ الخِناق ِ على الإسلام ِ ليبقى في أقلِّ دائرةٍ لهُ ، فياللهِ كيفَ يكونُ كفرة ُ بني آدمَ ، أكثرَ عدلاً وإنصافاً لأهل ِ الإسلام ِ من أهلهِ ! .
ثمَّ يقولُ:"إن لهذا اللباس الظاهر للرجال والنساء المنتسبين إلى الصحوة دلالة سياسية فمع كونه أصبح رمزاً للصحوة، وعلامة فارقة لها، فإنه يعطي إشارة إلى كثرة المنتمين إليها في المجتمع مما يشكل وسيلة لاستعراض القوة".
أرأيتم الباحثَ النزيهَ ذا السكسوكةِ المحترمةِ ! ، كيفَ لم يقاومْ حنقهُ وغيظهُ ، حينَ خرجَ علينا بأسلوبٍ لا علميٍّ ، ولا يمتُّ للبحثِ النزيهِ بصلةٍ ، فوصفَ مظاهرَ الديانةِ والتديّن ِ أنّها مُجرّدُ"وسائلَ لاستعراض ِ القوّةِ"، فهو بهذا يُخليها من الجانبِ الرّوحيِّ فيها ، والتعبّدِ للهِ بها ، والقيام ِ بإظهار ِ شعائر ِ اللهِ تعالى ، وأنّها مجرّدُ مظاهرَ داجّةٍ ! ، لا تمتُّ للدين ِ بصلةٍ .
لكن ما هو رأيُ الباحثِ النزيهِ بالدول ِ التي تنتشرُ فيها مظاهرُ السفور ِ والتفسّخ ِ ، وتكثرُ فيها مغاني الشرِّ وقلاعهُ ، هل ذلكَ أيضاً دليلٌ على استعراض ِ القوّةِ ، أم أنّهُ حريّة ٌ شخصيّة ٌ ، وواقعٌ يجبُ قبولهُ ، واعترافٌ بآخرَ لهُ حقُّ العيش ِ والمواطنةِ وإبداءِ الرأي ؟ .
لقد أصبحَ كلُّ آخر ٍ مقبولاً مكفولاً لهُ حقُّ المواطنةِ والرأي ، إلا آخرُ آخرٌ جلسَ هناكَ بعيداً ، حينَ رفضهُ عقلاءُ العقلاءِ ! وسادة ُ البحثِ النزيهِ ، ولفظوا رأيهُ وفكرهُ ، وجعلوا منهُ ومن آراءهِ ورماً لا بُدَّ أن يستأصلَ ، ومرضاً لا بُدَّ أن يُقضى عليهِ ، وهذا الآخرُ هو من التزمَ الإسلام ِ بحرفيّتهِ ونصوصهِ ، وجعلهُ أساسَ الحياةِ ومادّة َ الوجودِ المُديرةِ لنظامهِ ، والمُصلحةِ لشئونهِ .
ثمَّ يقولُ:"لذا فإن الحكومة الفرنسية لما أرادت أن تخوض حرباً مع جماعات الإسلام السياسي بدأت بمحاربة هذا الرمز تحت مسمى منع الرموز الدينية، وهو لم يكن رمزاً دينياً بقدر كونه رمزاً أيديولوجياً".
آه من هذه الضحالةِ المُفرطةِ ، والسذاجةِ المُضحكةِ ! ، وعجباً لهذه السطحيّةِ الفظيعةِ من هذا الباحثِ الأكاديميِّ المهذّبِ ! .
فرنسا تُحاربُ إسلاماً سياسياً .
يا للغباءِ حينُ يكتنفُ شخصاً كهذا ، فيجعلهُ أضحوكة ً ومهزلة ً لم تحصلْ ، فلقد غابَ عن عقليّةِ المفكّر ِ الفذِّ أن فرنسا ذاتَها هي من حرّمتْ الصليبَ الكبيرَ البارزَ على صدور ِ النصارى ، فهل هذا يرمزُ للنصرانيّةِ السياسيّةِ أيضاً ؟ ، أم هو الحربُ على الحجابِ وغيرهِ من المعالم ِ لأنّها من الدين ِ والشرع ِ ؟ ، وليسَ كما يصوّرهُ هذا الشخصُ المهذّبُ ! على أنّهُ مجرّدُ رمز ٍ سياسيٍّ لأناس ٍ امتطوا صهوة َ الدين ِ لنيل ِ مآربَ سياسيّةٍ ومطامعَ رئاسيّةٍ .
يعمدُ هؤلاء ِ المستغربونَ إلى شعائر ِ الدين ِ وتعاليمهِ ، فينتزعوا قدسيّتها ،ويزعموا أنها ليستْ سوى شِعاراتٍ لإسلام ٍ سياسيٍّ ، الغرضُ منها احتلالُ السلطةِ ، وخوضُ معاركَ رئاسيّةٍ ، أو لانتزاع ِ ولاءاتٍ شعبيّةٍ ، واستعراض ٍ للقوّةِ .
ويبدو التناقضُ واضحاً هنا حينَ يقولُ:"إلا ان الجدير بالملاحظة انه مع إفتاء علماء السعودية بجواز لبس العقال، إلا أن المشايخ وطلبة العلم الديني لا يلبسونه اليوم".
من الذي يجعلُ اللباسَ الآنَ شِعاراً سياسيّاً ! ، هل هم أربابُ الإسلام ِ السياسيِّ - على حدِّ قول ِ المهذّبِ - ، أم خصومهم الذين يحشرونَ جميعَ أفعالهم سواءً كانتْ عفواً أو قصداً ، على أنّها تسييسٌ للدين ِ ، وحربُ مظاهر ٍ مع الطوائفِ الأخرى ، ومحاولة ٌ لكسبِ ودِّ الشارع ِ ، أو التميّز ِ عنهم .
لقد كنّا ولا زلنا نلبسُ أشمغتنا تارة ً بعقال ٍ وأخرى بدونِها ، وأكثرُنا حينَ يذهبُ وظيفتهُ أو يخرجُ في مناسبةٍ فإنّهُ يُزيّنُ رأسهُ بلبس ِ العقال ِ ، وهناكَ أكثرية ٌ من الناس ِ لا تلبسهُ استثقالاً لهُ ، وتخفيفاً منهُ ورحمة ً بالرأس ِ ، فلماذا يُجعلُ من الفعل ِ البريءِ الخالص ِ من شوائبِ المظاهر ِ دليلاً على ولاءٍ وانتماءٍ لطائفةٍ أو أخرى ! .