فهرس الكتاب
3-ولهدم أصول الأخلاق ذكر"هيوم"أن سلوك الإنسان عمل آليٌّ محض ، وأنه لا يوجد ما يُسمَّى بالإرادة الحرة .
وزعم أن الدافع الأساسي لسلوك الإنسان هو اللذة والألم فقط ، وبهما يميّز الإنسان بين الخير والشر ، وليس العقل هو الذي يوجّه أعمال الإنسان .
وزعم أن الفضيلة هي ما يثير في الشخص اللذة .
لمحة من كشف الزيف
أولاً: إن أفكار هيوم في إنكار السببية تقوم على الادعاء المجرد من أي دليل . وقد استغل فيها أن الأسباب الكونية لا تستطيع أن تفعل بذواتها مسبباتها ، لعدم وجود الارتباط العقلي بينها وبين مسبّباتها ، إلا أن تأثيراتها الظاهرة الصورية تنبّه على وجود السبب الحقيقيّ الفعّال ، وهو الخالق البارئ المصور .
لكن"هيوم"لعب لعبة التعميم الفاسد، فاتخذ من إبطال فاعلية الأسباب الصوريّة بذواتها ، وسيلة لإنكار كل سبب حقيقيٍّ ، وكل علة حقيقية .
ثانياًً: ادّعاؤه أن البحث عن علة لكل شيء في هذا الكون ، يجرّ إلى البحث عن علة لله نفسه ، ادعاءٌ باطل .
وذلك لأن ادعاءه قائم على قياس فاسد ، وهو قياس الأزلي الأبدي الذي هو واجب الوجود لذاته ، ويستحيل في العقل عدمه ، على الكون الحادث ، الذي لم يكن ثمّ كان ، ولا بد من البحثِ عن علة انتقاله من العدم إلى الوجود .
ثالثاً: ادّعاؤه أن سلوك الإنسان عمل آلي محض ، ولا يخضع لإرادة حرةٍ في الإنسان ، ادعاءٌ يبطله شعور الناس جميعاً بالتفريق بين العمل الإرادي والعمل الآلي في ذواتهم . ويبطلُه أن الناس قادرون على أن يسلكوا بإرادتهم أنواعاً من السلوك تخالف ما تدعوهم إليه مطالب لذاتهم ، ويتحملون في ذلك آلاماً ، والموجّه لهم في ذلك هو منطق العقل ، ورعاية المصلحة المستقبلة .
ألا يتحمل العقلاء آلام العمليات الجراحية الطبية ، ويسعون لها بإرادتهم الحرة ، لأن عقولهم هدتهم إلى ضرورة تحمل هذه الآلام من أجل صحتهم ، ولو أنهم استجابوا لآلية الألم لما قبلوا ذلك؟
وآلاف الأمثلة في سلوك الناس من هذا القبيل .
وأفكار"هيوم"في أن سلوك الإنسان آليٌّ محضٌ خاضع لدوافع اللذة والألم ، من شأنها أن تطلق الوحش البشري الشهويّ الغضبيّ من قفصه العقلي والوجداني ، ليدمّر المجتمع البشري .
ولا يخفى على الباحث الخبير ما وراء أفكار"هيوم"هذه من دوافع شريرة تدميرية ، وما فيها من زيف مراد ترفضه العقول السليمة ، والطباع المستقيمة.
على أن أفكاره تقريرية لا تقترن بأي دليل ، لا من العقل ولا من الحسّ ، ولا من التجربة العلمية .