فهرس الكتاب
فالأسباب التي نزاول حياتنا من خلالها في هذا الوجود إنما هي أسباب وسائط . وخبرة مسخرة لغيرها ، ولها مسبب ومسخر. والمسببات التي تنشأ عن هذه الأسباب إنما ترجع إلى هذه الأسباب مباشرة من قريب ، لكنها ترجع في حقيقة الأمر إلى مسبب لها تام .. فنحن نأخذ الدواء . والدواء سبب في شفاء المرض . والشفاء يرجع إلى سببه المباشر وهو الدواء ، لكن الدواء سبب ناقص ، وهو في نفسه مسبب عن السبب التام ، أو الفاعل التام الذي بيده الشفاء ؛ الذي هو الله - سبحانه .
ونحن نستطيع أن نقرب القضية بمثال .. فإن الدواء سبب في الشفاء لكن الدواء نفسه مسبب وسببه هو الصيدلي الذي أعده في صيدليته ، والصيدلي نفسه لم يأت بذلك من نفسه ، بل إن السبب في إعداده الدواء هو الطبيب الذي أرسل إليه ورقة فيها تحديد الدواء المطلوب لهذا المريض ، ثم إن الطبيب نفسه مدين بعلمه ذلك لمن علمه ، فهو السبب في أن الطبيب عرف المرض ووصف الدواء ... وهكذا تمشي سلسلة الأسباب والمسببات ، وكلها تترقى من مستوى إلى مستوى ، لكنها جميعها مشتركة في أنها أسباب ناقصة ، بمعنى أنها في حاجة إلى من يقف وراءها ، مثل الدواء ، فإنه سبب محتاج إلى الصيدلي ، والصيدلي سبب لكنه محتاج إلى الطيب وهكذا . تمشي تلك السلسلة ، ولا نجد من بينها سببا كافيا مكتفيا بنفسه ، بل كلها معلولات لما قبلها . وذلك هو معنى كونها أسبابا وسائط ،وهذا النقص يصل بنا إلى السبب التام ، الفاعل الكامل ، الذي هو وراء كل شيء يجري في هذا الوجود ، خالق الكل ، ومدبر الكل، ومقدر الكل، والذي بيده كل شيء ، يحتاج إليه الكل وهو غني عن الكل - سبحانه وتعالى عما يصفون ..
والفرق بين السبب الوسيط والسبب الكافي التام ، أن السبب الوسيط لا يفعل ولا ينتج إلا في إطار السبب التام . الذي هو في حقيقة الأمر مسبب جميع الأسباب ومسخرها والمتصرف فيها .
ويتضح هذا في كل شئون الحياة لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، فقد يكون أمام الطبيب الحاذق حالتان مرضيتان ، وهما متشابهتان في المرض والعلة . وإحداهما شديدة ، والأخرى بسيطة خفيفة . ويصف نفس العلاج والدواء للحالتين مع اعتقاده أن أحد المريضين حالته ( ميئوس منها) - كما يقولون عادة في مثل هذه الأحوال - والآخر حالته الصحية جيدة وسيبرأ سريعا . لكن ، يفاجأ الطبيب ومن حوله أن المريض الأول قد برأ من مرضه ، ونقه وشفي ، وأما الآخر فقد انتقل إلى الدار الآخرة !
إن هذا ليس فشلا من الأسباب الوسائط ، فالطبيب حاذق جيد ، والدواء جيد ، وطريقة العلاج موفقة , لكن الأصل في كل هذه أنها مجرد وسائط ، وتبقى الكلمة الأخيرة والمصير النهائي للسبب الكافي والفاعل التام وراء كل هذه الوسائط .. إنه الله - سبحانه - خالق كل شيء . والذي بيده مقاليد كل شيء .
( المصدر: مذاهب فكرية معاصرة - عرض ونقد - ، للدكتور: محمود مزروعة - وفقه الله - ، ص 169-185) .
من كتاب كواشف زيوف
دافيد هيوم وآراؤه الإلحادية
من هو دافيد هيوم؟
هو فيلسوف اسكتلندي ملحد . عاش ما بين (1711 - 1776 م) . تخرج في جامعة"أدنبرة". عمل بالتجارة فلم يحقق النجاح الذي كان يرجوه . عين كاتماً للسر بالسفارة الإنجليزية في باريس . ثمّ وزيراً لاسكتلاندا لكنه ترك هذا المنصب بعد عام واحد ، وتفرّغ للكتابة والتأليف .
من مؤلفاته: 1-"رسالة في الطبيعة البشرية". 2-"مقالات سياسية". 3-"محاورات في الدين الطبيعي". 4-"تاريخ إنكلترا". 5-"بحث في العقل البشري".
ما يُهمنا عرضه من آرائه الإلحادية
قدّم"هيوم"آراءً فلسفية بناها على إنكاره لوجود الله الرب الخالق ، وإنكاره لأسس الأخلاق ، فمن أفكاره ما يلي:
1-أنكر فكرة السببيّة بين الأشياء ، وقرر أن العادة هي التي توهم الإنسان بالارتباط السببي ، إذ يلاحظ في العادة سبق ما يسميه سبباً على ما يسميه مُسبباً .
فالسببيّة وفق فكرة"هيوم"ذاتية محضة ، أي: يصطنعها الإنسان اصطناعاً بمحض تخيّله ، فهي غير موضوعية ، وهي خدعة من الخيال الذي يميل إلى فرض رابطة بين الأشياء والحوادث ، فالسببيّة ليس لها وجود إلاّ في الذهن الذي يتركها .
2-ومن أفكاره أن العالم الخارجي عن إدراك الإنسان وهم باطل ، فالإنسان لا يعلم عن العالم الخارجي إلا ما في ذهنه من مدركات حسيّة .
وهذه الأفكار وأشباهها قد انتهت بهذا الملحد إلى رفض كلّ دليل ينهض على وجود الرب الخالق .
يقول في كتابه"محاورات في الدين الطبيعي":
"إننا لا نعلم عن العلة شيئاً إلا أنها الحادثة السابقة التي نشاهدها قبل حدوث معلولها . وإذن فلا بد من مشاهدة الحادثتين معاً السابقة واللاحقة على السواء . إننا نستدل من وجود الساعة على وجود صانعها ، لأننا رأينا الساعة والصانع كليهما ، وإذن فوجود الكون لا يقوم دليلاً على وجود صانعه ، إلا إذا رأينا الصانع والمصنوع جميعاً".
وردّد هيوم الوسوسة الشيطانية القديمة بقوله:
"إذا كان لا بد لنا من البحث عن علة لكل شيء لوجب إذن أن نبحث عن علة للإله نفسه".