فهرس الكتاب
وآراء هذا الفيلسوف الملحد التي نعرضها للنقد ، هي من النوع الثاني ، إذ هي بينه الفساد ، واضحة البطلان . لكنا نزيد ذلك بيانا ووضوحا ، فنتناول أفكارها الأساسية التي قامت عليها تلك الفلسفة بالنقد في نقاط محددة .
أولاً: إن الرجل الملحد يصدر آراءه وفلسفاته على صورة تقريره بحتة ، دون أن يكون لدية دليل على أي منها . فهي آراء وأفكار لا وجود لها إلا في ذهنه المريض فقط ، وإذا ما طالبناه بدليل على شيئ مما يقول ، لم نجد لديه سوى ادعاءاته ، وافتراضاته ، وسوف يتضح لنا ذلك من مناقشة آرائه فيما يلي .
ثانيا: ادعاؤه بأن الناس يعيشون داخل ذواتهم ، وأن صلاتهم بالعالم الخارجي مقطوعة ، وأن كل ما يعرفه الإنسان عن العالم الخارجي إنما هو أوهام من صنع نفسه ، ولا صله لها بالواقع . هذا الادعاء أوضح في البطلان من أن يوضح ، فإن العالم الذي نعيشه حقيقة واقعة ، ونحن نتعامل مع قوانينه ومعطياته في كل لحظة من لحظات حياتنا ، وليس هناك ما يختلف حوله الناس من تلك القوانين والمعطيات ، فهل يختلف الناس على أن النار محرقة ؟ وهل هذه حقيقة من الحقائق الخارجية أم أنها وهم من أوهام الذات ؟ إن الناس يأكلون ليشبعوا من جوع ، ويشربون ليرووا من ظمأ ، ويتداوون ليبرأوا من مرض ، ويبيعون ويشترون فهل كل هذه أوهام ذاتية ؟ أم أنها حقائق خارجية ؟... ثم إن الفيلسوف الملحد نفسه عندما كان يشعر بالجوع ؛ هل كان يسارع إلى الطعام ليحفظ على نفسه حياته ؟ أم أنه كان يقول لنفسه ما يقول للناس في فلسفته: إن شعوره بالجوع وهم من أوهام ذاته، ثم يجلس بلا طعام حتى يهلك ؟ إنه لو فعل لأراح الناس من أباطيله ، لكن سلوكه نفسه يدل بوضوح على بطلان ما يدعيه .
ثالثا: مثل ما ذكرنا في النقد السابق ، نذكر هنا في نقدنا موقف الرجل من قانون السببية ، فإن قانون السببية أمر واقع ، والجدال حوله ، والتشكيك فيه تحت أية مبررات إنما يعتبر صداما مع الواقع ، وجحدا للحقائق الموضوعية التي يزاولها الناس منذ خلقوا . وإن حياة الفيلسوف الملحد نفسها وسلوكه في كافة شئونه لتدل دلالة واضحة على كذبه وفساد آرائه . إنه كان يأكل وشرب ويتداوى ، فهل كان يفعل ذلك إلا لأن هذه أسباب تؤدي إلى مسبباتها من الشبع ومن الري ومن الشفاء ؟... إن هذا الذي يطعن في السببية وينكرها عاش حيته ملتزما بقوانين الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات ،إنه لم يزد في فلسفته تلك على أن أعلن نفاقه وكذبه في دعاواه الباطلة ، إذ يطلع على الناس بأفكار وآراء هو أول من يكذبها ويرفض التعامل معها.
رابعا: زعمه أن الإنسان يعيش حياته شبه آلة تحركها الشهوات ، وتنحصر أفعاله كلها في ردود الأفعال تجاه ما يسبب له لذة أو ألما ، ثم ربطه الأخلاق باللذات والآلام ، وجعله الخير هو اللذة ، والشر هو الألم ، كل ذلك يتمشى معه كفيلسوف ملحد ، ويتفق مع نظريته في المعرفة التي حصرها في الحس . فالحس عند هو المصدر الوحيد للمعرفة ، ولا يقر بآي مصدر آخر للمعارف سوى هذا المصدر المادي المحدود .لكن هل جاء بشيء جديد ؟ إنه لم يزد على أن أضاف للحسيين الماديين الملاحدة دابة أخري هي من شر الدواب الذين قال الله - تعالى - فيهم: ( إن شر الدوآب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) .
فهو لم يأت في هذا الجانب بجديد ، سوى أنه حول نفسه آله حسية مادية جامدة . لا تتحرك إلا طلبا للذة الحسية المسفة ..
ورغم ذلك فإن مذاهبهم باطلة من سلوكهم أنفسهم .. أليس الواحد يتجرع الدواء المر طلبا للشفاء ؟ فلماذا أقبل عليه رغم أنه يسبب له ألما ؟ ولا يجلب له لذة حسية ؟ أليس الواحد منهم يجري عملية جراحية فيها آلام حسية ، وفيها شق اللحم وإسالة الدم بل وبتر عضو ، كل ذلك طلبا للشفاء ؟ فلم يفعلون ذلك ؟.. إن هذه السلوكيات فيها تكذيب واضح لما ادعاه الرجل ولكل ادعاءات السابقين عليه من أصحاب مدارس اللذة الحسية في فلسفة الأخلاق مثل الأبيقوريين ومن جرى مجراهم .
خامساً: نأتي إلى أخر رحلتنا مع الملحد لنناقش فكرة وفلسفته حول وجود الله سبحانه .. ونحن لن نناقشه في إلحاده ، فالملاحدة كثر في كل زمان ومكان . ولكن يهمنا هنا أن نناقش دعواه التي يقول فيها: إن البحث عن علة للوجود المادي يدفع بنا إلى أن نبحث عن علة لله نفسه - سبحان الله وتعالى عما يصفون - .
إن الخطأ الذي وقع فيه الرجل ويقع فيه كل من على شاكلته أنهم لا يفرقون بين الأسباب الناقصة والأسباب التامة ، أو بين الأسباب الوسائطية والأسباب النهائية . أنهم يخلطون بين هذه وتلك, وعلتهم ليس في خفاء هذه الحقيقة البسيطة ، ولكن علتهم في قلوبهم المريضة ، لأن هذه الحقيقة بديهية لا تخفي على أقل الناس فهما وأدناهم ذكاء .