فهرس الكتاب
والرجل الملحد لم ينكر ذلك . بل صرح به في كتبه كلها التي وضعها لهذا الهدف ، فهو يردد في كل ما كتب ( أن الصنعة لا يمكن أن تدل على صانع لها إلا إذا رأينا الصنعة في يد الصانع يقوم بتشكيلها ، ورأيناها تخرج من بين يديه ، إننا حكمنا بأن الساعة لها صانع ، لأنا رأينا الصانع يقوم بصنعها ، لكنا لا نستطيع أن نطبق ذلك على الكون ، لأنا لم نر الكون داخل مصنع ، والصانع يجتهد في صنعه ) !
ويقول: (( لماذا نبحث للمادة عن صانع مفارق - ولماذا لا نمد المادة إلى لا نهاية ثم نجعلها هي الله فيكون الإله أمامنا ومن بيننا ) ؟
واخيراً يقول: ( إذا كنا سوف نتمسك بقانون السببية ،وأن كل موجود له سبب ؛ فسوف نجد أنفسنا مطالبين بالسير في القانون إلى نهايته فنبحث عن سبب لوجود الله نفسه ) !
بين الغزالى وهيوم:
لا يسع القارئ عن موقف ( هيوم) من قانون السببية والعلية ، إلا أن يتذكر ( أبا حامد الغزلي - رحمه الله -) وموقفه من السببية كذلك . فإن ( أبا حامد الغزإلى ) قد أنكر قانون السببية ، وقد يكون الفيلسوف الملحد ( هيوم) قد قرأ عن موقف أبى حامد من السببية فنحا نحوه ، وانتهج طريقه ، لكن ينبغي أن نعرف أن ثمة فارقًا شاسعا بين الاثنين ، فلا نجمع بينهما في حزمة واحدة ، لمجرد أن جمعهما طريق إنكار السببية ، فإن الطريق الواحد قد يسلكه اثنان: طبيب ليحيي نفسا مريضة ، وسفاح لقتل نفسا صحيحة . وإن السكين الواحدة لتقع في يد اثنين: أحدهما ليسفح بها دم بهيمة أحل الله - سبحانه - ذبحها ، والثاني ليسفح بها دم نفس حرم الله - تعالى - قتلها . فأبو حامد الغزلي أنكر السببية ، وكذلك فعل هيوم ، لكن هناك فروقا بين الرجلين ، وأهم هذه الفروق والاختلافات بينهما ما يتصل بالمنطلق والنتيجة . ونعنى بالمنطلق ؛ السبب الذي حدا بكل منهما إلى إنكار قانون السببية ، ونعنى بالنتيجة ؛المحصلة النهائية التي وصل إلىها كل منهما من خلال مذهبه في إنكار السببية.
أما من حيث المنطلق:
فقد أنكر ( أبو حامد ) السببية كرد فعل لما كان عليه الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام ،حيث ذهبوا إلى أن العلاقة بين السبب والمسبب علاقة حتمية ضرورية وأن نقض هذه العلاقة من المحالات ، بل ذهبوا إلى أن الأسباب تفعل في مسبباتها بذواتها ، ومن هنا فقد أنكروا خرق العادات، وشغبوا على المعجزات للأنبياء ، والكرامات للأولياء ، ونحن نعرف أن (( أبا حامد ) )قد نذر حياته لحرب الفلاسفة ، وفضح آرائهم ، وبيان فساد عقائدهم . فكان من شدة رفضه مذاهبهم ، والحرص على مخالفتهم في كل ما ذهبوا إليه ، أن وقع فيما وقع فيه من تطرف شديد ، كرد فعل لما ذهبوا إليه .أما الفيلسوف الملحد ( هيوم ) ، فقد سبق أن منطلقة في مذهبه إنما كان الرغبة الشيطانية عنده في محاربة الدين ، ونفى الأدلة على وجود الله -سبحانه وتعالى - وقد بينا ذلك أفضل بيان ، وأن فلسفته كلها تقوم على تحقيق تلك الرغبة الشيطانية .وأما من حيث النتيجة التي وصل كل منهما إليها في فلسفته ؛ فإن ( أبا حامد ) - رحمه الله تعالى-، قد أكد على عقيدته في أن الله -سبحانه - هو الفاعل التام الحقيقي في ذلك الوجود ، وأن الأسباب لا تفعل بذواتها ، وإنما هي أمور عادية مألوفة ، آثارها في مسبباتها موقوفة على إرادة الله تعالى ، أما الفيلسوف الملحد ، فقد التزم الهدف الذي سعي إليه وأكد على النتيجة التي ظن أنه قد حققها من خلال أوهامه وأضاليله في إنكار السببية ، وإبطال الأدلة على وجود الله عز وجل . وقد هلك الرجل وهو يظن أنه قد حقق ما أراد . ولكنه لم يهلك حتى رأى ثورة الكثيرين ووقوفهم ضد أفكاره الإلحادية مما دفع به إلى أن يمسك عن نشر أحد كتبه التي يهاجم بها الدين بعنف وهو (محاورات في الدين الطبيعي ) فلم ينشر إلا بعد موته بثلاث سنين ، بهذا يتضح أن بين الرجلين الرافضين قانون السببية من الخلاف كمثل ما بين سماء الله وأرضه. فهما يختلفان من حيث السبب الدافع لكل منهما إلى رفض ذلك القانون ، ويختلفان من حيث السبب الدافع لكل منهما ليرفض ذلك القانون ، ويختلفان كذلك في النتيجة والهدف والغاية التي توخى كل منهما تحقيقها والوصول إليها.
نقد آراء هيوم:
إن الذي يتعرض لنقد الآراء الباطلة ، والفلسفات الفاسدة ، يجد نفسه أمام نوعين ؛ منها نوع خفي البطلان ، مستور الفساد ، يحتاج من الناقد ذكاء في الذهن ، ودقة في النظر وعمقا في التحليل ، وصبرا على التنقيب بين ثنايا تلك الفلسفات ، وخبايا هذه الآراء ، حتى يستطيع أن يظهر ما كان منها خفيا ، ويكشف ما كان منها مستورا ، ويبين للناس فسادها وبطلانها ، ولكن بعد جد وجهد ومثابرة .
والنوع الثاني: من تلك الآراء والفلسفات على عكس النوع الأول ، ظاهرة الفساد واضح البطلان، بين الزيف ، لا تحتاج من الناقد جهدا ، ولا تكلفه مشقة ، بل إن بعض هذه الفلسفات الفاسدة ، والآراء الزائفة الباطلة ، لتكون من وضوح البطلان ، وظهور الفساد إلى الحد الذي لا يجد الناقد ما يقوله فيها ، حيث يكون فسادها أوضح من أن يوضح ، وبطلانها أظهر من أن يحتاج إلى إظهار