فهرس الكتاب

الصفحة 20333 من 27364

فنحن إذا استثنينا مؤلفة: (( مقالات سياسية ) )ثم مؤلفه الآخر الكبير: (( تاريخ بريطانيا العظمى ) ). وهما كتابان في شئون بعيدة عن الفلسفة ، أوأن صلتها بالفلسفة صلة محدودة فإن مؤلفاته الأخرى جميعها تدور حول الإلحاد وتأكيده ، وبيان افتراءاته على الدين .

ونحن لا نهتم كثيرا بكفره بالنصرانية البروتستانتية التي يدين بها قومه - وإن كان النصراني أفضل من الملحد - لكن الذي يهمنا أن الرجل لم يقف حربه على النصرانية ، ولكنه حارب الدين بكل صورة ، واخذ يركز حربه كلها وافتراءاته جميعها على وجود الله - سبحانه وتعالى عما يصفون - ومن ثم فلم يعد الأمر وقفا على نصرانيته ( المحرفة ) ، بل أصبح الأمر عاما شاملا لكل دين ؛ حتى الدين الحق ( الإسلام ) .

•وقد وضع الرجل مبادئ فلسفته لهذا الهدف الخبيث .

1-فهو حين أنكر علاقة الفكر الإنساني بالواقع ، وأكد على الذاتية في مقابل الأمور الخارجية ، والحقائق الموضوعية ، واتهم الإنسان بان كل ما يدعيه من معارف إنما هي ناشئة عن أوهامة الذاتية ، إن الرجل حين وضع هذا المبدأ أو روج لهذه الفكرة ، إنما أراد أن يقرر أن المتدينين ، وكل من يعبد ربه ، وكل من يخضع لإلهه ، أيا كان ذلك الدين ، فإن هؤلاء جميعا واهمون ، وأن الدين وكل ما يتصل به من عقائد وعبادات ، إنما هي من أوهام الذات التي لا صلة لها بالواقع .

2-وهو حين أنكر قانون السببية والعلية ، فإنه فعل ذلك ليصل إلى إبطال الأدلة على وجود الله - سبحانه وتعالى ..

إن أشهر الأدلة وأقواها على وجود الله - سبحانه وتعالى - وأكثرها شيوعا بين عامة المتدينين إنما هو الدليل القائم على الانتقال من الخلق إلى الخالق ، أو من الصنعة إلى الصانع ، إن الفطرة ، وبديهية العقل ، ومسلمات الفكر وأولياته تجعل لكل فعل فاعلا، وتجعل من الفعل دليلا على فاعله ، ومن قديم والناس يستدلون على الخالق - سبحانه وتعالى - من خلال خلقه ، كما يستدلون بوجود صنعة ما على وجود صانعها ، بل إنهم ليستدلون على صفات الصانع من خلال ما يرون في الصنعة من حكمة وإبداع وإتقان فيقولون: صانع بديع حكيم

أو قد يرون في الصنعة خلاف ذلك أو عكسه ، فيصفون الصانع بما يناسب ما رأوا ، هكذا كان الناس ، وهكذا هي فطرهم التي فطرهم الله تعالى عليها ، لا غرو ، قد لفت الله - سبحانه وتعالى - الناس إلى خلقه ودعاهم إلى أن ينظروا إلى ما في ذلك الخلق من إتقان وعناية وحكمة وإبداع ثم إلى الإيمان بالخالق الذي خلق وأتقن وأبدع فإن الخلق آية وعلامة على الخالق . يقول عز وجل:

(وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون . وجعلنا فيها جنت من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون . ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون . سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ( .

هذه الأدلة وغيرها قائمة على أساس من قوانين السببية والعلية ؛ بمعنى أن انتقال الإنسان من الخلق إلى الخالق ، أو من الصنعة إلى الصانع ، هو من باب انتقاله من المسبب إلى سببه أو من المعلول إلى علته .

إذا عرفنا ذلك ؛ وقد عرفنا قبل ذلك أن (( هيوم ) )ملحد ، وقد نذر نفسه للانتقاض على الدين والمتدينين وسد الطريق أمام الناس الذي يصلون من خلاله إلى الاستدلال على وجود الله - سبحانه - فماذا هو فاعل ؟

إن ذلك الشيطان فكر وقدر ، قتل كيف قد ، ثم وجد أن أيسر الطرق إلى القضاء على الدين ، وتجفيف منابع التدين في نفوس المتدينين ، إنما هو القضاء على قانون السببية ،وإبطال كل علاقة بين السبب والمسبب حتى لا يقيم الناس من المسببات التي هي المخلوقات ، طريقا أو قنطرة يصلون من خلالها إلى المسبب أو الخالق - جل الله و عز .

إذن ؛ فكل هذه الثورة من الفيلسوف الملحد على قانون السببية ، وهو قانون فطري بدهي ، عبر عنه البدوي قديما بقوله: ( البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير ، سماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ، ألا تدل على العليم الخبير ) ؟ والذي ذكره العربي القديم فطرة الله في كل الخلق فهو ليس قصرًا على العربي لأنه لا يرجع إلى عروبته التي تخص جنسه ، بل يرجع إلى إنسانيته أو فطرته كإنسان ، وتلك تجمع الخلق كلهم ، فما أحس به العربي وأشار إليه من الانتقال من الفعل إلى الفاعل ، أو من المسبب إلى السبب ، فطرة الله في الخلق أجمعين ، ولذلك حينما فكر الفيلسوف الملحد دله شيطانه أن يتوجه بالطعن إلى الأسباب والمسببات ، فيبطل العلاقة بينهما ، ثم تكون النتيجة إبطال الانتقال من المسبب إلى سببه وهكذا يقضي ذلك الشيطان على شجرة المعرفة وأصلها فهو يحمل معوله ليضرب به في أصل الشجرة ، ليقطع جذعها ، وليس غصنا من أغصانها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت