فهرس الكتاب
الثانية: حين جرد الإنسان من مسئوليته على أفعاله بأن جعل كل أفعاله إنما هي ردود أفعال ، وقيد إرادته الحرة التي تقوم عليها المسئولية الفردية والخلقية بما يحس به من لذة وما يحس به من ألم ، فإنه يندفع إلى الأولى بلا وعي وينفر من الثانية كذلك بلا وعي .
مفتاح شخصيته:
1-طبق الفيلسوف مبدأه في ذاتية المعارف في مقابل موضوعية العالم الخارجي على قانون السببية والعلية .
فقد أنكر أن يكون هناك قانون للسببية أو العلية ، بل إنه أنكر ما يسمى بالأسباب والعلل . مدعيا أن ما يزعمه الناس من قوانين للأسباب والمسببات ، أو العلل والمعلولات ، إنما هو من أوهام النفس وخداع الذات ، وأن الواقع أنه لا يوجد ما يسمى بالسببية أو العلىة .
أما كيف يفسر الرجل دعواه هذه؟
فإن الرجل يدعي أن ما يسمى سببا وما يسمى مسبباً ، كل منهما ظاهرة منفصلة تماما عن الأخرى ، وانه لا توجد أية علاقة حقيقية بين الظاهرتين ، كل ما هنالك أن الناس لاحظوا أن الظاهرة الثانية تأتي عقب الظاهرة الأولى ، فربطوا بينهما بسبب اقترانها في الوجود زماناً ومكانا ، وهذا الربط إنما هو افتراض ذهني ذاتي قائم على تداعي المعاني ، ولا حقيقة له فالإنسان يشعل النار ، وهذه ظاهرة ، ثم يشعر بالحرارة والدفء ، وهذه ظاهرة أخرى قد جاءت عقب الظاهرة الأولى ، ولا يوجد دليل في العقل أو الواقع على ضرورة وجود الظاهرة الثانية دائما عقب وجود الظاهرة الأولى كمالا يوجد دليل على علاقة بين الظاهرتين .
وهو يضرب مثالا بكرات (( البلياردو ) )التي يضرب اللاعب بإحدى الكرات لتصطدم بالكرات الأخرى وتحركها إلى حيث يريد اللاعب .. فيقول: إنني أرى كرة البلياردو تتحرك ، فتصادم كرة أخرى ، فتتحرك الأخرى ، وليس في حركة الأولى دليل على ضرورة تحرك الثانية حين تصطدم بها الأولى . ويضرب الرجل مثالاً ثالثاُ يقوم على تحرك أعضاء الجسم تبعاً لإرادة الإنسان فيقول: نرى الإنسان يريد أن يأكل تفاحة وضعت أمامه, فتتحرك يده لتلقط التفاحة وترفعها إلى فمه, ويبدأ في قضمها مرة بعد مرة, ولا توجد علاقة بين رغبة الإنسان في أكل التفاحة ، وامتداد يده إليها ورفعها إلى فمه . فالرجل يدعي أنه لا علاقة بين إرادة الإنسان وحركة يده نحو التفاحة وحملها إلى فمه ، ويرفض أن تكون إرادة الإنسان هي السبب أو العلة في حركة اليد . ويقول:
(( أنا لا أدري كيف يمكن لفعل ذهني - يقصد إرادة الإنسان - أن يحرك عضوا ماديا ً - يقصد يد الإنسان - إني لا أدرك علاقة بين إرادة الإنسان وحركة يده ) )
إن الرجل يرجع قانون العلية والسببية إلى ما سماه قوانين التشابه والتقارن في الزمان والمكان
وهو يقصد بالتقارن في الزمان والمكان ـ أن ظاهرة السبب وظاهرة المسبب قد ألف الناس اقترانها في الوجود معاً متعاقبين في نفس الزمان والمكان ، فقد ألف الناس أن اصطدام العصا باليد - في حالة الضرب بالعصا - تحدث شعورا بالألم ، وأن هناك اقترانا بين الأمرين أو الظاهرتين في الزمان والمكان . فبسبب هذا الاقتران توهموا علاقة بين الظاهرتين سموها علاقة السببية !!
وقد تحقق نفس الألم عقب الاصطدام بين العصا واليد ، في كل مرة يحدث ذلك ، فهناك تشابه في كل الحالات . وهذا ما سماه الرجل ( قانون التشابه ) !
فهو يزعم أن القول بالسببية والعلية ناشئ عن هذا الاقتران والتشابه . ويسمى ذلك: قوانين التشابه والتقارن في الزمان والمكان ويسميها كذلك: (( قوانين تداعي المعاني ) )ويفسر قانون تداعي المعاني بقوله: (( إن ما يسمى بالعلة شئ كثر بعده تكرار شئ آخر حتى إن حضور الشيء الأول يجعلنا - عن طريق تداعي المعاني - دائما نفكر في حضور الشيء الثاني ) ).
موقف (( هيوم ) )من الدين:
(( هيوم ) )فيلسوف ملحد لا يؤمن إلا بالمادة وحدها ، ولا يرى وسيلة للمعرفة إلا الحس الذي يستقي معارفه ، ويستمد علومه من المادة . وهو يرفض الإيمان بأي شئ خارج نطاق العلم الطبعي المحسوس . ومن ثم فقد أعلن (( هيوم ) )الحرب على الدين ، وسخر فلسفته في جانبها الأكبر والأهم لمحاربة الدين ، وإقامة أوهامة التي اعتبرها أدلة على بطلان الدين ، وإثبات أن الدين ما هو إلا خرافة ووهم من الأوهام التي تعود إلى الذاتية ، والتي لا حقيقة لها في الخارج .
ليس هذا فحسب ؛ بل إن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها فلسفة هذا الملحد إنما وضعها وأكد عليها ليصل من خلالها إلى إثبات أن الدين باطل ،وإنه من أوهام النفس وخيالات الذات .
وواضح أن الرجل بدأ ملحدا، ثم رسم لنفسه من بدايات اشتغاله بالفكر والتفلسف أن يسخر فكره وفلسفته لهدف واحد ، وهو حرب الدين ، والقضاء عليه في نفوس المتدينين .. ولذلك فنحن نستطيع أن نحدد نقطة الانطلاق في فكر الرجل وفلسفته ، ونبين الركيزة الأساسية التي يرتكز عليها مذهبة بأنها: الإلحاد .
الإلحاد - إذن - هو مفتاح شخصية الرجل والمحور الذي يدور عليه فكره وهذا يتضح من المجهود الذي بذله طوال حياته من خلال مؤلفاته . وإن نظرة إلى مؤلفاته يتضح منها أنه لم يكتب شيئا في الفلسفة والفكر إلا حول الإلحاد ، ومحاربة الدين .