فهرس الكتاب
المفكر الغربي ( دافيد هيوم ) - نقد علمي لفكره -
حياته:
ولد (( دافيد هيوم ) )لأسرة إسكتلندية برجوازية ، وجهته أسرته إلى دراسة القانون . لكنه كان شغوفا بالفلسفة ، فخرج على رغبة أسرته في دراسة القانون واتجه إلى دراسة الفلسفة . بعد أن تخرج من جامعة ( أدنبره) اتجه إلى التجارة شان الأسر المتوسطة ( البورجوازية) في ذلك الوقت لكنه فشل في تجارته ، فتركها إلى الاشتغال بالكتابة . فسافر إلى فرنسا وهو في سن الثالثة والعشرين ، ومكث بها ثلاث سنين وهو يكتب ويحرر بعض المقالات ، ثم عاد إلى وطنه ليواصل الاشتعال بالتأليف ، ثم عين وزيراً في الحكومة البريطانية ، وبقى في منصبه عاما ً واحدا (( 1768م ) )ثم ترك الوزارة وأقام بمدينة (( أدنبره ) )مسقط رأسه ، واشتعل بتحرير فلسفته والتصنيف فيها حتى مات (( 1776م ) )
مؤلفاته:
سافر (( هيوم ) )إلى فرنسا وهو في الثالثة والعشرين ، وظل ثلاث سنين يحرر مقالاته وآراءه فلما عاد إلى إنجلترا نشر أفكاره وآراءه تلك في مجلدين ، ثم أتبعهما بمجلد ثالث ، وكان من ذلك ما أسماه (( رسالة في الطبيعة الإنسانية ) )ثم وضع كتاباً آخر تحت عنوان (( مقالات سياسية ) )ثم نشر كتابا تحت عنوان: (( تاريخ بريطانيا العظمى ) )الذي لقي قبولا من الأوساط الأدبية ، فخفف عنه فشله في كتابة الأول ، ثم كتب مؤلفا سماه (( محاورات في الدين الطبيعي ) )لم يشأ أن ينشره في حياته ، خوفا من محتوى الكتاب الذي يهاجم فيه عقائد الناس ومقدساتهم . ثم وضع كتاباً في نفس الموضوع سماه: (( التاريخ الطبيعي للدين ) ). أما كتابه (محاورات في الدين الطبيعي ) فقد نشر بعد موته بثلاث سنين فاكتمل بذلك مذهبه الإلحادي ، وأفكاره الضالة عن الدين وكل ما يتصل به . وقد تميزت أفكاره وكتاباته عن الدين بالسفسطة والمغالطة ، إلى مافيها من هجوم عنيف يدل على ما كان لدى الرجل من عداء للدين بكافة صورة
الأسس التي تقوم عليها فلسفته:
تقوم فلسفة (( هيوم ) )الإلحادي على عدد من الأسس أهمها::
أولاً: تنطلق فلسفته وآراؤه جميعها من الحس كمجال وحيد للمعرفة ، ومنبع فريد للإدراك . فالمعارف عنده تقوم على أساس حسي بحت ، والمادة الجامدة هي مصدر المعارف ، وليس هناك مصدر آخر يستقي الإنسان منه معارفه . وكل ما يتحدث عنه المتدينون من مصادر للمعرفة غير الحس والمادة ، فإنما هي أوهام لا حقيقة لها ، ولا وجود لها إلا في مخيلة أصحابها .
ثانياً: أكد على الذاتية في مقابل الواقعية والموضوعية . وذهب إلى أن معتقدات الإنسان وآراءه عن العالم الخارجي إنما هي من وحي خيال الإنسان ومن خلق أوهامه وأنها لا ترجع إلى العالم الخارجي، وإنما ترجع في حقيقة الأمر إلى ما يتوهمه الإنسان عن العالم الخارجي ، وذلك نتيجة لما لديه من معتقدات سابقة ، ومدركات ذهنية مختزنه ، فهو يسقط كل ذلك على العالم الخارجي ويفسره بها ، فتكون الحصيلة أن يعلن عن ذاته . وعن مكونات نفسه ، ولا يعلن عن الحقائق الخارجية التي يزخر بها العالم الواقعي .
ثالثاً: استمراراً في تأكيده على الذاتية في مقابل الموضوعية ، ونتيجة لذلك ، فقد جعل أفعال الإنسان وسلوكه إنما هي ردود أفعال لما يعتمل في نفسه من إحساس باللذة أو الألم ، واستجابة لكل ما يشعر به اتجاه الأشياء من سعادة أو شقاء ، فأفعال الإنسان تحكمها الحواس الظاهرة من الإحساس باللذة والألم ، ويتبع الحواس الظاهرة الحواس الباطنية مثل المحبة والكراهية ، أو الرجاء والخوف ، والفرق بين الحواس الظاهرة والحواس الباطنية أن الأولى مباشرة ، فاللذة والألم يحس بها الإنسان مباشرة من مصادر كل منهما . ثم يأتي رد الفعل بعد ذلك على هيئة إحساس باطني أو انفعال وجداني ، فنحب النوع الأول ، ونحرص عليه ونرجو تحقيقه ، ونكره النوع الثاني الذي هو الألم ، ونتجنبه ونفر منه .
رابعاً: تأكيدا على ماتقدم ، وتأسيسا عليه ، يذهب (( هيوم ) )إلى أن الفرق بين ما هو خير ، وما هو شر ، إنما يكمن فيما ينتج من كل من لذه أو ألم ، فالفيلسوف (( هيوم ) )يربط بين اللذه والخير ، والألم والشر ، فكل ما سبب للإنسان لذة أو سعادة فهو خير ، وكل ما سبب له ألماً أو تعاسة فهو شر .وبالتالي فإن الفضيلة والرذيلة تخضعان لنفس المقياس ، مقياس اللذة والألم ، فكل ما يحقق للإنسان لذة فهو فضيلة ، وكل ما يسبب له ألماً فهو رذيلة .
ويأتي هنا سؤال هام وخطير: أين محل إرادة الإنسان من كل هذا ؟ثم ما أثرها في توجيه الإنسان ما دامت أفعاله ردود أفعال؟
والجواب الواضح والحتمي بناء على المبادئ التي يعتنقها (( هيوم ) ): إن إرادة الإنسان الحرة المختارة لا وجود لها ، إن الإنسان يتحرك كآله تحركها مشاعر الألم واللذة ، وتتحكم فيها أو هامة ، وخيالاته عن العالم الخارجي ، الذي لا يتعامل معه إلا من خلال ردود الأفعال .
وهكذا قضى الرجل على الأخلاق على مرحلتين:
الأولي: حين ربط بين الخير واللذة ، والشر والألم ، ثم ربط الفضيلة إلى اللذات ، والرذيلة إلى الآلام ، فجعل الأخلاق في أساسها تقوم على أصول حسية مادية بحتة .