فهرس الكتاب

الصفحة 20329 من 27364

"إني أهيب بكم يا إخواني أن تخلصوا عهدكم للأرض ، وأن لا تصدّقوا من يحدثونكم عن أملٍ سماوي ، إنهم ينفثون فيكم السم بذلك ، سواءٌ أعلموا بذلك أم لم يعلموا".

عاشراً: وزعم أن الوجود يسير في دورات متطابقة ، فهو يكرّر نفسه باستمرار ، وجعل وجود الإنسان الأعلى"السوبرمان"هو نهاية دورة الوجود ، ليعود بعد ذلك إلى نقطة البداية .

وقال:"إن التكرار الأبدي موعده بعد وجود الإنسان الأعلى ، فسيعود كل شيء بالتفصيل الدقيق مرة ومرة ، إلى ما لا نهاية له ، حتى"نيتشه"سيعود ، وهذه الأمة الألمانية التي يعيش بين ظهرانيها ، والتي تمجّد الدم والحديد ستعود...".

حادي عشر: ويظهر أن الغرور وجنون العظمة قد ضربا دماغ"نيتشه"بعنف ، حتى تمثل الربوبية في نفسه ، وأوصله ذلك إلى الجنون الحقيقي ، فعاش أواخر حياته مجنوناً ، ومات جنوناً .

كشف الزيف

ما أظنني بحاجة إلى كشف زيوف آرائه وأفكاره ، فهي من الخبط والخلط والتخريف ، وإنكار الحقائق ، ما يجعل الناظر إلهيا يؤمن بفسادها وبطلانها مباشرة ، ولا يحتاج من يكشف له زيوفها .

ومع ذلك فسأقتصر على ذكر كاشفين عامين:

الكاشف الأول: أن"نيتشه"قدَّم آراءه الفلسفية ، وضلالاته التخريفيّة ، وإنكاراته للحقائق الجليات ، أقوالاً ادّعائية تقريرية ، غير مقترنة بأي دليل يشهد لها .

فهي لدى التقويم الفكري لا وزن لها مطلقاً .

الكاشف الثاني: يكفي لردّ أفكاره وآرائه أن نطبق عليها ما قاله هو عن الفكر والعقل ، وعن عالم الظواهر وعالم الحقائق .

ألم يلغ مبادئ الفكر وموازين العقل؟

إذن: فنصيب أفكاره من ذلك أنها ملغاة ، بمقتضى حكمه هو ، فهو لا يؤمن ها ابتداءً .

وقد كان المفروض فيه أن لا يكون متناقضاً مع نفسه ، فلا يبحث قضايا ، ولا يقدم أفكاراً مجالها الفكر وتصوراته وتخيلاته .

ألم يعتبر كل ما يمكن تصوره عقلياً لا بد أن يكون وهماً لا حقيقة له؟

إذن: فأفكاره وآراؤه وهمٌ في وهم ، بمقتضى حكمه هو ، إنه يعتقد أنها كذلك بمقتضى حكمه هو ، إنه يعتقد أنها كذلك بمقتضى مبدئه ، فلماذا نناقشها ، وهو نفسه يقدمها ويعتقد أنها وهم لا حقيقة له؟.

ألم ينكر عالم الظواهر وعالم الحقائق ؟

إذن: فآراؤه وأفكاره لا قيمة لها مطلقاً من وجهة نظره هو ، لأنها تصف بالوهم والتخريف أشياء هي: إما من عالم الظواهر ، أو من عالم الحقائق ، هذا هو حكمه عليها .

فما شأن الباحثين بكشف زيوف آرائه وأفكاره وكل فلسفته ، ما دام هو لا يرى فيها شيئاً يصف الحقيقة ؟ فهي من وجهة نظره هو -وهو صاحبها- زيوف كلها ، ووهم في وهم .

ويكفي لإسقاط أقوال أي إنسان ، أن نطبق عليها اعتقاده فيها .

أما إن كان يقدّم آراءه هذه معتبراً أنها مفاهيم صحيحة ، فإنه بذلك يكون متناقضاً مع نفسه تماماً.

وحسب التناقض مع النفس دليلاً على بطلان أصل الادعاء .

تعليق أخير

يبدو أن أساليب أغاليطه الفكرية الكثيرة على الرغم من ذكائه الشديد ، ترجع إلى رؤيته السريعة الناقصة للأشياء ، وأحكامه التعميمية السريعة ، المقرونتين بغروره بنفسه ، وإعجابه برأيه ، واعتداده بذاته اعتداداً مفرطاً ، الأمر الذي سبب له جنون العظمة . ثمّ هو لا يستقر طويلاً في بحث أي موضوع يعالجه ، بل يتنقل في موضوعاته الفكرية تنقلاً سريعاً ، فيراها رؤى ناقصة سريعة ، ويصدر فيها أحكاماً تعميمية سريعة باطلة ، ويقفز عنها إلى غيرها ، وهكذا .

فتجد في مقولاته تعبيرات ذكية ، ولكنها تشبه ذكاء الأدباء الساخرين ، والشعراء الخياليين ، لا الحكماء والفلاسفة العقلاء المتأنين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت