فهرس الكتاب
* فأوسطه الراحة والسكينة والطمأنينة ، ومن أمثلتها راحة النائم حينما لا تهزّه الرؤى ، وراحة الراضي عن الله فيما تجري به مقاديره ، والراحة النفسية التي تجلبها صلاة الخاشع .
* وفوق الأوسط من هذا السلم درجات إيجابيات حركة اللذة ، وما يصاحبها من سعادة .
* ودون الأوسط من هذا السلم دركات إيجابيات حركة الألم وما يصاحبه من شقاء . وهي دركات متنازلات ، بعضها أشدّ من بعض .
* وقد تجتمع مشاعر اللذة والألم في وقت واحد باختلاف مصادرهما ، كالزاني الخائف ، والمريض المتألم الذي يستمتع بلذة سمع أو بصر أو لمس أو ذوق ، فتخفف اللذة من شدة مشاعر الألم ، ويخفف الألم من نسبة الإحساس باللذة.
والمفاهيم الإسلامية في القرآن والسنة قد أبانت هذه القسمة الثلاثية للمشاعر الإنسانية .
* فأبانت الأوسط بتعبيراتها عن السكينة والطمأنينة والراحة ، منها قول الله عز وجل في سورة (النبأ مصحف/80 نزول) :
{وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} أي: راحة .
* وأبانت إيجابيات اللذة ، ومتَعها في الحياة الدنيا ، ونعيمها المقيم في الآخرة .
* وأبانت إيجابيات الألم ، ومسّ عذابه في الحياة الدنيا ، وشدّته الكبرى لمستحقيه يوم الدين .
ووجود اللذة والألم في الحياة الدنيا ضروريان للامتحان فيها .
السبب الثالث: أنه كلما علا الكائن العضوي في سلم الارتقاء وارتفع ، ازداد ما يعانيه من ألم ، وأن زيادة معرفته لا تحل من الإشكال شيئاً .
السبب الرابع: أنه لا تكاد الحاجة والألم يسمحان للإنسان بشيء من الراحة ، حتى يشعر بالسآمة على الفور ، فلا يكون له غنىً عن التسلية .
وكشف علة خطئه في هذين السببين: الثالث والرابع ، يستدعي إعادة بيان علة دائه التي سبق كشفها تعقيباً على السبب الأول .
السبب الخامس: أن القتال في الحياة لا ينقطع ، إنها بين قاتل ومقتول ، حتى إن الكائن الحي قد يقتل نفسه ليبقى النوع .
كشف خطئه هنا
يرجع خطؤه هنا أيضاً إلى رؤيته الناقصة القاصرة للوجود ، وللحكمة منه .
إنه لو أبصر أن الحياة الدنيا كلها بمثابة جسر صغير أُعدّ للامتحان فقط . وأن الحياة الأخرى التي ستأتي وراء هذا الجسر ، ووراء الفاصل الزمني الذي بعده وهو برزخ انتظار قبل البعث ، إنما هي الحياة الأبدية الخالدة بتقدير الرب الخالق .
إنه لو أبصر ذلك لأدرك أن كل ما يجري في هذه الحياة الدنيا ضروري جداً ، لاستيفاء شروط الامتحان الأمثل للإنسان .
فهل يصنع الناس امتحاناتهم ومسابقاتهم فيما بينهم دون عقبات ومتاعب ، وموجبات جهادٍ وكفاح .
إنه لو أبصر ما جاءت به المفاهيم الدينية الحقة ، لأدرك أن الموت لا بد منه في هذه الحياة الدنيا ، وأن الحي الذي لا يموت مقتولاً يموت حتف أنفه لا محالة:"كل نفس ذائقة الموت".
ولأدرك أن تمكين القاتل من اتخاذ وسائل لقتل الحي ، هو عنصر من عناصر امتحان الإنسان أمام نوازع غضبه ، ومطامعه ، وأهوائه وشهواته .
ولما كان من أول عناصر امتحان إرادة الإنسان ، امتحانها في الاعتقاد بالحق الأكبر الذي تقوم عليه الأدلة الفكرية البرهانية ، وهو الله وصفاته وأسماؤه الحسنى ، وحكمته في مقاديره ، وحقه في طاعته وعبادته ، ورجاء ثوابه وخوف عقابه ، كان من لوازم هذا الامتحان ، أن تكون مع الأدلة الفكرية البرهانية شبهات توضع في الوجود ، لتكون بمثابة الغطاء الرقيق على اللغز الغيبي عن الحواس ، الواضح للأفكار ، ليصلوا إليه عقلياً ووجدانايً ، فيؤمنوا به .
أما الإرادة التي لم تستجب لنوازع الكبر ورغبات الفجور ، فإنها تستفتي الفكر الحَصيف ، المحفوظ والمؤيّد بالفطرة النظيفة ، والوجدان السليم ، فتطرح الغطاء الرقيق ، ولا تعتبره مشكلة في مجال الامتحان ، بل تأخذ المضمون الذي هو الحقيقة ، وتعتبر الغطاء التمويهي الرقيق من لوازم طبيعة الامتحان الأمثل .
أما الإرادة التي استجابت لنوازع الكبر أو رغبات الفجور في الأرض ، فإنها تتخذ من هذا الغطاء الرقيق مشكلة ، فتتشبث به لإنكار الحقيقة ، التي هي المضمون الذي دلت عليه البراهين العقلية .
أفيترك المضمون الحق من أجل غلالة شبهة ، لا تثبت أمام أي فكر باحث ، قادر على إيجاد تفسير سليم لها ، تجعلها متلائمة مع المضمون ؟!
ويمكن أن نقول هنا: إن وجود الحيوانات القاتلة المفترسة في عالم الأحياء ، هو غلالة من هذه الغلالات ، التي يختبر فيها فكر الإنسان وإرادته ، أمام قضية الإيمان بالله عز وجل وبحكمته .
على أن ملك الموت هو قاتل على كل حال ، بمعنى أنه قابض للروح ، سواء أجاء مع علة مرض ، أو مع سكتة قلبية ، أو مع سقوط من شاهق ، أو مع ضربة سيف ، أو مع عضة أنياب حيوانٍ مفترس ، أو مع قبضة مخالب طير كاسر ، أو في فم حوت آكل ، أو مع غير ذلك من قواتل .
تعقيب أخير
لقد تنازعت"شوبنهور"كل هذه التخبُّطات الفكرية والنفسية ، فمزّقته أشتاتاً ، ورمته على جمرات الشقاء ، وأشواك الآلام ، ،لأنه عزل عن تصوره قضية الإيمان بالرب الخالق ، القدير العليم الحكيم المختار ، والإيمان بحكمة الابتلاء ، وما يستتبع الابتلاء من جزاء في حياة أخرى خالدة غير هذه الحياة .