فهرس الكتاب

الصفحة 20356 من 27364

فتجسمت بين عينيه وتعاظمت في نفسه متاعب الحياة مشقياتها وآلامها ، ولم يجد بعد هذا مبرراً لوجود حياة أخرى غير هذه الحياة ، مادام الوجود لا يسير وفق منهج حكيم ، بحسب تصوره ذي النظر القاصر .

ولم يجد للآلام والمتاعب وأنواع الشقاء في هذه الحياة تفسيراً يبرّرها ، فرفض الرأي الفلسفيّ القائل:"عن الكون عقلٌ يتصرف".

عندئذٍ بدا له أن يعلل الوجود بأنه إرادةٌ عمياء ، ذات مطالب ، ومن مطالبها بقاء الحياة في الأنواع دون اكتراث بالأفراد ، وأن العقل أداة من أدوات الإرادة ، فالإرادة العمياء تريد أولاً ، ثمّ تستخدم العقل ليجد لها في منطقه مبرراته . وإرادة بقاء الحياة تستلزم أن يمرّ الأحياء على جسور الآلام والشقاء .

فحياة الناس شقاء في شقاء ، وآلام في آلام.

ولذلك أعجبه من آراء الفلسفة اليونانية ، أن اللذات كلها تخلص من الآلام.

ففكرته في تعليل أحداث الكون وكل ما يجري فيه قامت على أساس"أن العالم إرادة فقط"بلا علم ولا حكمة ولا عناية ولا رحمة ولا عدل . وقد ترتب على هذه الإرادة العمياء كفاح وجهاد وكدح متواصل ، وهذه الأمور لا بد أن ينتج عنها بؤسٌ وشقاء .

وبالمنظار نفسه نظر إلى الدافع الجنسي ، فرآه إرادةً عمياء ، هدفها أن تهدم بالنسل عدوّها الذي هو الموت ، وسمّى ذلك إرادة النسل ، رغم ما يتضمّن التناسل من عناء وتضحية.

ورأى أن إرادة التناسل تسر في مجالها مستقلّة عن العقل سيراً أعمى . فأعضاء التناسل في تصور"شوبنهور"هي بؤرة الإرادة بعينها ، وهي المركز الذي يقابله المخّ الذي يمثّل المعرفة من ناحية أخرى . وأعضاء التناسل هي أساس حفظ الحياة ، لأنها تتضمّن حياة لا تنتهي ، ومن أجل هذا عبدها اليونان واليهود منذ القدم .

ورأى"شوبنهور"أن العلاقة بين الجنسين هي في الواقع النقطة المركزية الخفيّة لكل عمل وسلوك ، وهي تتجلى في كل شيء ، برغم ما نحاول سترها به من الأقنعة . إنها سبب الحروب ، وهي الغاية من السلام ، وهي أساس الجد ، وهي الغاية من المزاح ، وهي الينبوع الفيّاض لمستلمح النكات ، وهي مفتاح كل تلميح ، ومعنى كل ما غمض من العبارات ... إننا نراها لا تني في رفع نفسها لتكون سيدة العالم سيادة وراثيّة حقيقيّة ... إنها لتهزأ من السيطرة عليها سيطرة تنزل بها إلى منزلة من الحياة ثانوية فرعية .

وقال"شوبنهور":

"يجب أن نعتبر الغريزة الجنسية روح شجرة النوع التي تنمو عليها حياة الفرد ... ولئن أردنا أن نهزم الإرادة هزيمة منكرة لا يكون لها قيام بعدها ، فلن يكون لنا هذا إلا في استئصال معين الحياة".

أي: في مقاومة إرادة النسل .

وأفاض"شوبنهور"فيما أسماه إرادة التناسل إفاضة مسرفة .

2-وخبط"شوبنهور"في أودية الأوهام الفكرية ، والخرافات التصورية ، معللاً بها الوجود وأحداثه بعيداً عن قضية الإيمان بالله ،فانتهى به الأمر إلى تقرير أن العالم شرٌّ ، وذلك للأسباب التاليات:

السبب الأول: أن الإرادة لا تنتهي مطالبها ، وبذلك يظل الإنسان في شقاء مستمر ، فما يحققه اليوم لا يرضيه ولا يقنعه ، إذ يتجدد لديه مطلب جديد يشقى لتحقيقه من جديد ، فهو دوماً ينقل شقاء اليوم إلى الغد .

كشف علة دائه هنا

كان من الممكن أن يكون في يده مفتاح السعادة لو أراد ، وأن يتحوّل شقاؤه إلى ابتهاج وأمل وطمأنينة وراحة نفس ، لو أنه آمن بالله واليوم الآخر .

لأنه حينئذٍ يربط كلّ مطالب إرادته المتجددة والتي لا تنتهي ، بالحياة الأخرى ، فيعملُ لها ، ويسعد بما يعمل ، وتستمرّ لديه لذّات الأمل ، مع راحة نفسه ، وطمأنينة قلبه ، فإيمانه بالله واليوم الآخر يجعله مطمئناً بأنه سيحصل على كل ما يتصور من مطالب ، وكل ما يتجدد لديه منها مهما اشتط في التخيل والتصور ، مع مزيد لم يخطر على قلبه ، ولا يخطر على قلب أو تصور أحد سواه من الناس .

وقد خلق الله في الإنسان هذه الطموحات الواسعة ، ولم يجعل في الحياة الدنيا وسائل لتحقيقها ، لتكون دافعاً له حتى يرتبط بالحياة الأخرى ، ولتكون مساعداً له على تجديد إيمانه وتثبيته ، والعمل الصالح الذي يظفره بتحقيق كل طموحاته المتجدّدة ، وفوقها مزيد .

لكن الكفر بالله وباليوم الآخر ، قد جرّه إلى ربط كلّ طموحاته المتجدّدة بالحياة الدنيا ، وهي لم تتهيأْ لتحقيقها ، فجرّه ذلك إلى مشاعر الشقاء التي عانى منها ، ويعاني منها كل كافر بالله واليوم الآخر .

السبب الثاني: أن الألم هو الدافع الأساسي لهذا العالم وحقيقته الجوهرية ، وليست اللذة إلا امتناعاً سلبياً للألم .

ورأى أن أرسطو قد أصاب إذْ قال: إنه لا ينبغي للحكيم أن ينشد اللذة ، وحسبه أن يتخلص من الألم والشقاء .

كشف علة خطئه هنا

ترجع علة خطئه هنا إلى رؤيته الناقصة الجزئية المحدودة ، التي جعلته لا يرى من المشاعر إلا مشاعر الألم والشقاء به .

وقد جرّه إلى هذه الرؤية الناقصة الجزئية ، حالته النفسية المكتئبة الشقية ، التي جلبها إليه في الحقيقة كفره بالله واليوم الآخر .

مع أن المشاعر التي يحسّ الناس بها جميعاً تتدرج على سلم متعدد الدرجات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت