فهرس الكتاب
إن زعمه بأن مطالب الإنسان وغاياته التي لا تنتهي مصدر آلام وشقاء للإنسان, ضلال منه, وفساد في فهمه, وانحراف في مزاجه.
فالإنسان يضع أمامه أهدافاً لحياته, ويسعى لتحقيق تلك الأهداف, وهو يشعر بالسعادة والرضا وهو يشعر بنفس السعادة وهو يتنقل من هدف إلى هدف, ويحقق غاية بعد غاية, ويرتفع من نجاح إلى نجاح, وليس في ذلك من تعاسة وآلام, بل فيه سعادة وهناءة بقدر ما يبذل الإنسان من مشقة وعناء .
إن الرجل في هذا كمثل رجل جاء من الغابات أو الأحراش لا يعرف عن المدينة شيئاً, ولا يعرف عن قضية التعليم وأنظمته قليلاً ولا كثيراً. . هذا الرجل رأى الطلاب وهم يدرسون نهاراً ويذاكرون ليلاً, ثم يسرعون إلى الامتحانات متوترين مرهقين, ثم ينتظرون متلهفين نتيجة الامتحانات, فإذا ما ظهرت ورأى السعادة طافحة على وجوه الناجحين. ثم رآهم يسرعون فرحين في بداية العام إلى المستويات الجديدة ليبدأوا رحلة كفاح جديدة وهم سعداء فرحين مستبشرين, رجل الغاب هذا سوف يقف فاغراً فاه في بلاهة وعته وغباء, يتعجب من هؤلاء البشر من الطلاب الذين يكدون ويكدحون, ثم ينتقلون إلى المراحل التالية, بعد أن حققوا المراحل السابقة, كل ذلك وهم سعداء. إن رجل الغاب هذا سوف يصف هؤلاء بالعته, ويصف حياتهم بالشقاء, ثم يصنفهم على أنهم آلات في يد إرادة عمياء تسخر منهم وتسخرهم ليعيشوا في شقاء. . . إن فيلسوف التشاؤم مثال متطابق مع رجل الغاب الذي تصورناه, إن الناس ينتقلون من هدف إلى هدف, ومن غاية إلى غاية,وهم يتسابقون في سعادة وسرور, إن لحظة واحدة من السعادة عند تحقيق الإنسان هدفه, تعدل سنوات من الكد والكدح لتحقيق هذا النجاح الذي حققه.
ثالثاً: إن الحياة ليست ساحة قتال كما يدعي فيلسوف الشرور والتعاسة, ولكن الحياة فيها من التعاون والتآزر بين الأحياء ما يزيد ويربو على ما فيها من نزاعات ومشاحنات .
إن التعاون بين الكائنات قائم وواضح على مستوى الأنواع بعضها مع بعض, فالنبات يعيش على ثاني أوكسيد الكربون الذي ينتجه الإنسان,والإنسان يعيش على الأوكسجين الذي ينتجه النبات . والنبات ينتج الرحيق الذي يعيش عليه النحل, والنحل ينقل في أرجله الملقحات من نبات إلى آخر, كذلك ينقل بذور النبات إلى أمكنة أخرى فتنبت فصائل جديدة. والإنسان يعيش على النبات, وكذلك على الحيوان كالأغنام, لكن عيشه وتغذيه عليها ليس خطراً عليها, بل هو في صالحها, فإن الإنسان يحرث الأرض, ويرويها ويبذر البذر وينتج النبات ويحافظ عليه ويكثر منه, وذلك بسبب كونه غذاء له, ولولا ذلك لما عني الإنسان بالنبات, ولما بقي النبات ونما, ولما وجدت منه فصائل جديدة, ولما وجد التربة المناسبة, والتسميد الجيد. على أن الإنسان إذا لم يأكل النبات حين يستوي فسوف يموت النبات من تلقاء نفسه ويجف وتذروه الرياح, فأي الأمرين خير بالنسبة للنبات؟
كذلك الأمر بالنسبة للحيوان الذي يعيش عليه الإنسان يسعى إلى العناية بها, وتحسين نسلها والإكثار منها, وتوفير الغذاء لها, فهو يغذيها إن جاعت, ويسقيها إن عطشت, ويداويها إن مرضت, كل ذلك بسبب كونه يعيش عليها, بينما الحيوانات التي لا يعيش الإنسان عليها تموت في الغابات جوعاً وعطشاً بسبب الجفاف أو العوامل الأخرى. ثم إن الإنسان إذا لم يأكل الشاة, وتركها تعيش., فهل ستخلد, أم أن مصيرها الموت؟ . . إذن فكون الإنسان يعيش على حيوان ما أو نبات ما, فإن ذلك في صالح النبات والحيوان, وليس شراً ولا اعتداء, ولا الحياة ساحة قتال كما ادعى الفيلسوف الملحد.
رابعاً: إن حياة الرجل وسيرته تكذبه في كل ما ادعاه في فلسفته, وبخاصة في دعوته إلى الموت انتحاراً تخلصاً من آلام الحياة وشرورها.
إن حياة الرجل كانت أشد شقاء وتعاسة من حياة الكثيرين, وقد عاش مريضاً تنتابه الوساوس والمخاوف وسوء الظن بمن حوله, وقضى الثلاثين عاماً الأخيرة من حياته في حجرتين وحيداً كئيباً, فأي الناس كان أحق بالانتحار منه تخلصاً من تلك الحياة التعسة بحق ؟!
لكن الرجل الذي مجد الموت, واعتبره المنقذ من شقاء الحياة, والذي تسبب في انتحار عدد من الذين اعتنقوا فلسفته وتأثروا بفكره, هذا الرجل ظل محباً للحياة, مستمسكاً بها حتى وصل سنه الثانية والسبعين ! وقد قضى حياته تلك لم يبخل على نفسه بشيء من متع الحياة التي زهّد فيها الآخرين, وزعم أنها شر وتعاسة !!
( المصدر: مذاهب فكرية معاصرة - عرض ونقد - ، للدكتور محمود مزروعة ، 189-207) .
من كتاب كواشف زيوف
شوبنهور وآراؤه الإلحادية
من هو"شوبنهور"؟
هو"آرثر شوبنهور". فيلسوف ألماني تشاؤمي ملحد . عاش ما بين (1788-1860م) .
ما يُهمُّنا عرضه من آرائه
1-قدّم"شوبنهور"آراءً فلسفيّةً بناها على إنكاره لوجود الرب الخالق العليم الحكيم المختار .
لقد عزل عن تصوره حقيقة الله وصفاته الجليلة ، فلم يلاحظ حكمته العظيمة في تصاريفه ومقاديره في خلقه .