فهرس الكتاب
وأخيراً فإن الوجود شر, لأن الحياة ساحة قتال , لا يحيا كائن فيها إلا على حياة الكائنات الأخرى ؛ فالحيوانات المفترسة تفترس الإنسان, والإنسان يفترس العجماوات الأخرى كالأغنام والطيور, والجميع يفترس النبات, والنبات يفترس الهواء والماء وغيرها.. والوجود شر. (( إن الحياة شر لأنها حرب, وأينما وليت وجهك لا تقع عينك إلا على صراع وتبادل انتحاري بين الأحياء، وكل نوع يقاتل للفوز بالمادة والأرض والسيطرة . وحتى الجنس البشري يكشف في نفسه عن أبشع أنواع الصراع والنزاع ، والقاعدة: إنك إن لم تتذاءب - أي لم تكن ذئبا - أكلتك الذئاب ) ).
ثامنا: لكل ما تقدم من أدلة على أن الحياة آلام ، والوجود شر - فيما يزعم الفيلسوف الملحد - فإن الفيسلوف يدعو إلى نبذ الحياة - ويرغب في الانتحار تخلصا من شقاء الحياة وشرورها .
والفيلسوف - وهو يرَغب في الانتحار ويدعو إليه - يبين أن الموت في ذاته لا يسبب للإنسان ألما قط ، ولكن الناس يتألمون من فكرة الموت أكثر مما يتألمون من الموت نفسه ؛ لأن الإنسان لايلتقي بالموت أبدا ، فكيف يتألم منه ؟ إن الإنسان طالما هو حي لم يمت ، فهو لا يرى الموت ولا يلتقي به ومن ثم لا يتألم منه ، فإذا ما انتحر الإنسان ومات ، فإن الموت حين يجيئ يكون الإنسان قد ذهب ، وعلى ذلك فالإنسان يخاف من فكرة الموت ، لكن الموت حين يجيئ ويقع يكون الإنسان قد استراح من شقاء الحياة وآلامها، وتخلص نهائيا من الإرادة الكلية العمياء الشريرة التي لا عمل لها إلا ترغيبه في الحياة وإغراؤه بها ليظل يصلى شقاءها وآلامها .
نقد آراء شوبنهاور:
إن آراء هذا الفيلسوف, والرد عليها ونقدها , لا يتطلب منا إلا أن نخضع هذا الفيلسوف وأمثاله إلى فحص طبي لدي طبيب للأمراض النفسية والعقلية, ولو أننا فعلنا ذلك, لجاءنا الجواب بوضوح شديد, وهو أن هذه الآراء لا تزيد على كونها أوهاماً وتخاريف وأضاليل لإنسان مجنون أو معتوه, وأن هذه الآراء ما كان ينبغي لها أن تسجل وتبقي إلا لأن العصر الذي وجد فيه الرجل كان عصر ضلال وانحراف, وقد كثر فيه أمثال الرجل, فضلت فيه الموازين, وضاعت القيم, وانحرفت المبادئ, ولذلك نتج ذلك الفكر عن هؤلاء الناس في هذا العصر.
إن ضلال هذا الفكر أوضح من أن يوضح, وقد سبق لنا أن بينا المؤثرات التي أثرت في الرجل, والعوامل التي شكلت فكره, وهي مؤثرات على رأسها المرض العقلي والنفسي وما هو من هذا القبيل, وقد ذكرنا شذوذ الرجل في حياته العامة, من مثل اعتقاده بأن الناس جميعاً يتآمرون لقتله, حتى إنه لم يضع رأسه بين يدي حلاق طوال حياته خوفاً من أن يقتله, وما إلى ذلك من أمور بيناها عند الحديث عن مفتاح شخصيته .
ومع وضوح ضلال فكره, نشير إلى بعض مناحي هذا الضلال, وأسبابه- بإيجار-, إذ أن بيان الفساد في ذلك الفكر لا يحتاج إلى إسهاب:
أولاً: إن الرجل كفر بالله - سبحانه -, ونبذ الأديان كلها, وتحديداً نبذ النصرانية التي نشأ عليها. ورفض الاعتراف بأن للوجود خالقاً عليما حكيماً متقناً مبدعاً . . ورغم ذلك, فقد أثبت كل هذه الصفات لشيء من صنع خياله المريض, وفكره المجنون, وهو ما أسماه:"الإرادة الكلية العمياء الشريرة"! وأثبت لهذه الإرادة غايات تسعى لتحقيقها . ووسائل تنفذ من خلالها إلى ما تشاء, وجعل الوجود كله مسخراً لهذه الإرادة, ومسيراً تبعاً لأهدافها, فأي شيئ فعله هذا الأبله الملحد حين نبذ الدين, ورفض الاعتراف بالله رب العالمين ثم انقلب ليثبت له رباً من صنع خياله, ويخلع عليه كل هذه الصفات؟!
لقد سبق وقررنا أن الرجل اختار الإلحاد والكفر, ولما وجد النظام والإتقان والغائية في كل ذرة من هذا الوجود, اضطر إلى الاعتراف بذلك, لكنه- إصرارا ًمنه على الإلحاد- ألحق ما رآه بشيء من صنع أوهامه أسماه الإرادة الكلية, ثم زيادة منه في الابتعاد عن عدوة الدين, وحتى لا يُظن أنه يتكلم عن الإله الحكيم المدبر, وصف معبوده ذاك بأنه"إرادة عمياء شريرة".
إن علة الرجل الأساسية التي نتج عنها كل هذا الهراء, إنما هي إلحاده وكفره بالله رب العالمين- سبحانه -.
ثانياً: إن كفر الرجل وإلحاده أعمى قلبه ثم بصره عن أن يرى في الوجود سوى الشرور والآلام, ثم لم ير في الوجود إلا هذه الحياة الدنيا, وهذا القصور عنده جعله يصرخ بأعلى صوته من آلام الحياة وشرورها .
ولو أنه رأى أن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة, وأن ثمة حياة أخرى يسعى الناس إلى إعلان رصيدهم فيها من الحسنات, والباقيات الصالحات, وأن ما يكابدونه في هذه الحياة إنما يكابدونه وهم في غاية من السعادة, ونهاية من الرضى, لأنهم يدركون أن هذا رصيدهم الذي سيلقونه في الحياة الدائمة . . لو أدرك الرجل ذلك لعرف أن الحياة فيها الخير كما فيها الشر, وأن الخير فيها يزكو على الشر ويربو عليه .
ثم إن الحياة ليست شروراً خالصة, بل فيها خير كثير- كما ذكرنا - , لكن إلحاد الرجل وكفره سبب له مزيداً من التشاؤم, إضافة إلى ظروفه التي أشرنا إليها مما جعله يعمى عن كل خير, بل يرى الخير على أنه شر.