فهرس الكتاب

الصفحة 20353 من 27364

أما العقل فهو وسيلة من وسائل الإرادة الكلية العمياء التي تعمل على بقاء النوع ليشقى ويتألم.. وقد كان حرياً بالإنسان أن يقتل نفسه منتحراً ليتخلص نهائياً من حياة كلها آلام وشقاء وتعاسة لا تنتهي, ولو فعل كل الناس ذلك لانتهت الحياة, وفشلت الإرادة الطبيعية في تحقيق أغراضها, وهنا يأتي دور العقل الذي هو من صنع الإرادة, حيث يقوم العقل بفلسفة الأشياء, ويخترع أفكاراً ومسوغات لاوجود لها. بهدف إقناع الإنسان بتقبل الشقاء والآلام والبؤس الذي تشتمل عليه الحياة, والرضى بذلك, بناء على أفكار وتصورات غير حقيقية يخترعها العقل, من مثل: وجود إله اقتضت حكمته ذلك , وأن ذلك لحكمة لا نعرفها ، ومن مثل: القول بوجود بعث بعد الموت, ودار أخرى سوف ينال فيها الصابرون أجر صبرهم ورضاهم, بل وترحيبهم بالشقاء والآلام في هذه الحياة. فهذه كلها أفكار وتصورات من اختراع العقل الذي هو أداة من أدوات الطبيعة الكلية العمياء.

وأما غريزة الجنس, فقد بينا أن دورها يقوم على إغراء الذكر بالأنثى, والأنثى بالذكر, وقد جعلت الإرادة العمياء هذه الغريزة أقوى غريزة في الكائن الحي من النبات حتى الإنسان, وما بينهما من حشرات وحيوان, كل ذلك لكي تقاوم تلك الغريزة ما يفعله الموت بالأنواع الحية فتظل الأنواع باقية, والأفراد يصطلون بشقاء الحياة وآلامها.

وفي الحديث عن غريزة الجنس, نلفت النظر إلى أن (( شوبنهاور ) )له موقف خاص جداً من هذه الغريزة, وموقفه هذا كان أساساً لمواقف بعض الفلاسفة, وسنداً لمذاهبهم, وتحديداً مذهب (( فرويد ) )في علم النفس ومدرسته التي قامت على أساس من التركيز على دافع الجنس.

إن شوبنهاور يعلي من شأن الدافع الجنسي لدى الإنسان والحيوان, ويجعل منه الركيزة الأساسية التي تدور عليها حياة الفرد والجماعة, بل يجعل منه الأساس الأوحد الذي تدور عليه الحياة عند كل الكائنات, وبخاصة الإنسان, ومن ثم فإن الجنس هو مفتاح السلوك الإنساني , وعلى أساس منه يمكن تفسير كل سلوك إنساني من الألف إلى الياء.. (( إنها - الغريزة الجنسية - في الحقيقة النقطة المركزية الخفية لجميع الأعمال والسلوك, وهي تسترق النظر إلى كل مكان رغم جميع الحجب والأقنعة التي ألقيت عليها, إن غريزة الجنس هي سبب الحرب والسلام, وهي أساس الجد والرصانة, وهدف الهزل والمزاح,ومعنى كل تلميح مبهم وغامض, إنها تبرز نفسها كسيدة للعالم ووارثته, جالسة في كمال قوتها تنظر نظرة ازدراء واستخفاف و سخرية, وتضحك على ما يعده الناس من قيود لتقييدها وكبتها وسجنها, ولا يستطيعون إلى ذلك سبيلا ) ).

إن هذا الفكر عن الغريزة الجنسية لاشك أنه هو الأساس لمدرسة (( فرويد ) )في علم النفس. وهذا وذاك وكل من نحا ذلك النحو, في ضلال مبين, وما يريدون من وراء ذلك الفكر إلا إلحاق الإنسان بالحيوان, بل وضعه في درك أسفل من درك الحيوان, حينما يلغون ما ميز الله- تعالى- الإنسان به من عقل وإدراك وتمييز, وتكليف, ويجعلون العقل مجرد خادم لهذا الغريزة الدنيا, لا عمل له إلا البحث والتخطيط لإشباعها, بأية وسيلة دون نظر لأية اعتبارات أخرى.

سابعاً: عود إلى ما قرره فيلسوف التشاؤم, من أن الوجود كله شر.فالوجود شر ., لأن الألم والتعاسة هما الشيء الإيجابي, وأما ما نسميه سعادة ولذة, فهو أمر سلبي, فلا يزيد عن كونه سلباً للألم أو تخفيفاً منه للحظة, ثم تنتهي تلك اللحظة ليأتي الألم من جديد.

والوجود شر., لأن غايات الكائن فيه لا تنتهي, ما أن تتحقق غاية من غاياته حتى يتطلع إلى غيرها, ولا تنتهي رغبات الإنسان, ولا تقف غاياته عند حد, وبذلك يظل يعاني الآلام والأحزان, ويكابد المشقات حتى تنتهي آلامه بالموت.

والوجود شر., لأن ما نحسبه لذات وسعادة, إنما هو مصدر للآلام والتعاسات, فإن الإنسان يظل يطلب لحظة اللذة والسعادة, فإذا ما تحققت وانقضت في وقت قصير, فإنها تصبح دافعاً له ليطلبها من جديد, وحين تنتهي يشعر بشقاء مضاعف لأنها انتهت, وعليه أن يكابد من جديد للحصول عليها.

والوجود شر., لأن الإنسان يعيش بين حالتين, إما في شقاء طلباً للذة والسعادة, وإما في ملل وسأم إذا تحققت تلك اللذات وتوفرت لديه, وكلا الحالين شقاء وألم وشر.

والناس في هذا المجال قسمان: الفقراء وهم يعيشون ألام الحرمان, وتعاسة الحاجة, فحياتهم خالية من اللذات, مليئة بالشقاء والألم, أما الأغنياء فيعيشون في آلام أيضاً, لكنها آلام الملل والسأم.

والوجود شر., لكن شروره ليست على مستوى واحد لدى جميع الكائنات, لكنها تتفاوت تبعاً لتفاوت الإدراك لدى الكائن. فكلما تدنى الإدراك ضعف الشعور بالألم, وكلما ترقى الإدراك قوي الشعور بالألم والشقاء.. لذلك كان الإنسان أكثر الكائنات آلاما وتعاسة وشقاء.. إن النبات خال من الإحساس, ولذلك فهو لا يحس بالألم, وأما الحيوانات فتشعر بالألم على قدر مستواها من الإحساس والشعور.. أما الإنسان فأكثرها شعوراً بالشقاء والألم والتعاسة. إن زيادة المعرفة في الإنسان تؤدي إلى زيادة آلامه, لأن القدر الأكبر في آلامنا كامن في تأمل الماضي, وفي التفكير فيما يقع في المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت