فهرس الكتاب
لاحظ الرجل كل ذلك في الجمادات, وفي النبات, وفي الحشرات والحيوانات, وكيف يسعى كل من هؤلاء للحصول على غذائه, للإبقاء على نفسه ونوعه, كما لاحظ ذلك في الإنسان وما آتاه الله - تعالى- من قوة عاقلة, وقوة جسمية غريزية, للإبقاء على نفسه بالغذاء, وعلى نوعه بالتزاوج والتناسل, وعلى تميزه عن كل ما حوله بإعمال عقله. ونتاج العقل من فكر وثقافة وحضارة, وعلوم ومعارف, ورأس هذه المعارف معرفته بربه - سبحانه- ,واعتصامه بحبله, والسير على هدى طاعته, والسعي في تحصيل مرضاته . لاحظ الفيلسوف كل ذلك, لكن لأنه من الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم, وجعل على أبصارهم غشاوة تعميهم عن الحق, وتضلهم عن الصواب, فقد اختار الإلحاد والكفر بالخالق العظيم, والصانع البديع.. وقد وجد الرجل نفسه بين أمرين: إما أن ينكر ما لاحظه في الوجود من حكمة وقدرة وإرادة وإتقان, ثم ينكر وجود الله- سبحانه-, وبذلك يحقق مبتغاة من إنكار وجود رب لهذا الكون, لكن, كيف ينكر الحكمة والإرادة والإتقان مع أن كل شيئ في الوجود ناطق به,دال عليه.
وإما أن يقر بالإرادة والحكمة والإتقان والإبداع, ثم بالخالق العليم,وهذا ما لا يريده, ولا يستقيم مع ما اختار لنفسه من كفر وإلحاد.
لكن الفيلسوف الملحد وجد ضالته في أن يقر بالإرادة, والإبداع والإتقان, لكن لا يرجع ذلك إلى الله الحق- سبحانه-, بل يرجع ذلك ويسنده إلى الطبيعة الجامدة,والمادة الميتة, التي لا تملك من أمر نفسها قليلاً ولا كثيراً !! وهكذا كان أمر الفيلسوف الذي رفض الإيمان بوجود رب خالق حكيم, وأسند صفات الله- سبحانه- إلى الطبيعة, أو إلى المادة, وبذلك لم يصنع شيئاً سوى أن استبدل الإيمان بالمادة بالإيمان بالله- تعالى- وجعل من المادة ربه وإلهه, فكان من الذين قال الله- تباركت أسماؤه- فيهم: ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ، وجعل على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ؟ ) .
لقد قامت فلسفة شوبنهاور على الأسس الآتية:
أولاً: أن الوجود عبارة عن المادة المطلقة, فليس في الوجود سوى المادة وأن القول بوجود مفارق لمادة غير مادي فاعل فيها- يقصد وجود الله عز وجل- هو قول خطأ, وفكرة فاسدة, ترجع إلى تصورات الذات, وأوهام النفس, التي لا حقيقة لها في الخارج. إن رجع الأمور إلى قوة خارجة عن المادة الطبيعية, هو من أوهام الذات. وفي ذلك يقول (( شوبنهاور ) ): (( إن الإحساس حالة ذاتية, ولكن الفهم والتصور الذاتي يضيفه فوراً إلى علة خارجية, نتصورها فاعلة في الزمان مستقلة عنا في المكان ) )ويرى الفيلسوف الملحد أن العلم المادي كاف بنفسه لتفسير كل ألغازه وما يجرى فيه, وليس بحاجة إلى وجود قوة خارجة عنه, وبذلك يقرر الملحد أن الوجود ليس بحاجة إلى إله.
ثانياً: أن العلم عبارة عن (( إرادة وفكرة ) ).
فالفكرة هي تصوراتنا الذاتية عن العالم الخارجي, والتي تكون غالباً غير صحيحة وغير واقعية. وأما الإرادة فهي جوهر الوجود المادي الحقيقي, إن العلم عبارة عن إرادة كلية شاملة, وهذه الإرادة لها غايات وأهداف تسعي إلى تحقيقها, وهي تحقق غاياتها بوسائل من خلقها وصنعها, وكل شيئ في الوجود من الجماد إلى الإنسان, مروراً بالنبات والحشرات والحيوان, كل ذلك خاضع لتلك الإرادة الكلية التي تملكها الطبيعة,وتسير كل شيئ من خلالها.
ثالثاً: الإرادة الكلية في الطبيعة عنايتها تنصب على الحفاظ على الحياة في الأنواع, ولذلك تهتم بالإبقاء على الأنواع في النبات والحشرات والحيوان والإنسان, وهي في اهتمامها بالنوع, لا تلقي بالاً إلى الأفراد الذين تطحنهم الآلام, ويعذبهم الشقاء, ويغرقون في بحار المآسي والشرور.
رابعاً: الموت هو عدو الإرادة الكلية, وهو الذي يحاول أن يقضي على الحياة والأحياء, ولكن الإرادة الكلية تهزمه عن طريق غريزة الجنس التي تدفع الأحياء إلى التزاوج والتناسل , وبذلك تعوض الإرادة عن طريق النسل ما يأخذه الموت, وتبقي الحياة والأحياء تحقيقاً لرغبة الإرادة الكلية.
خامساً: الحياة كلها, بل الوجود كله شرور وأحزان ومشقات وآلام, وليس في الوجود كله خير قط, ولا يعرف معنى السعادة, وأقصى ما يتصور من خير في الوجود , أن تقل شروره نوعاً أو تخف آلامه هوناً.
الشر والشقاء والتعاسة هي جوهر الحياة, وحقيقة الوجود, وهذه الأشياء هي الجانب الإيجابي في الحياة, أما ما يسمي بالسعادة, أو اللذة, أو الخير أو غير ذلك , فليست أموراً إيجابية, بل هي أمور سلبية, بمعنى أن السعادة ليست إلا سلب الآلام, واختفاء الشقاء أو التخفيف منه قليلا ، ومن ثم فلا وجود لشيئ اسمه السعادة أو اللذة ، ولكن هناك شقاء وتعاسة وآلام, قد تكون شديدة,وقد تخف قليلاً أو كثيراً, فيسمي الناس هذه الحالة سعادة أو لذة.
سادساً: وسيلة الإرادة الكلية في تنفيذ غايتها من بقاء النوع في الإنسان أمران: العقل, والغريزة الجنسية.