فهرس الكتاب

الصفحة 20351 من 27364

فإن السلوك الخلقي السيئ لأمه بعد وفاة أبيه, جعله يسيئ الظن بالناس جميعاً, وبخاصة عندما وجد أستاذه (( جوته ) )الذي كان يجله ويحترمه يقاسم أمه تلك المعيشة الدنسة, فقد أثر ذلك في نفسه, وطوى قلبه على حقد وكراهية للحياة والأحياء بسبب الآلام الشديدة التي سببتها له تلك الأحداث.

2-الظروف العالمية.

حيث ولد (( شوبنهاور ) )في عصر دمرت الحروب فيه أوربا تدميراً شديداً, وشردت عشرات الآلاف من الأسر, ونشرت الفقر والبؤس بين الناس على مستوى دول أوربا, وقد كانت الحرب قائمة بين (( نابليون ) )الذي كان (( شوبنهاور ) )وكافة المثقفين في أوربا ينظرون إليه على أنه روح الثورة الفرنسية التي حررت الفكر والناس, ولكن دول أوروبا تحالفت ضد نابليون وهزمته شر هزيمة ، وقذفت به إلى جزيرة (( سانت هيلانه ) )ليقضي نحبه فوق تلك الصخرة النائية في جوف المحيط.. وكانت تلك قمة الآلام عند (( شوبنهاور ) )حيث قضت (( الإرادة المتجبرة ) )للحياة على مكاسب الثورة الفرنسية, وعادت أسرة (( البوربون ) )إلى حكم فرنسا, وعاد الإقطاعيون يطالبون بأملاكهم, وضحكت (( إرادة الحياة الشريرة ) )ملء فيها من الناس الذين كانوا يأملون في الخلاص من الآلام والأحزان, فأعادتهم إليها مرة ثانية.

3-الحلة النفسية والعقلية:

تأثر (( شوبنهاور ) )بالظروف التي أشرنا إليها, ونتج عن ذلك أن أصيب بأمراض نفسية وعقلية لازمته طوال حياته.. كان من آثارها أن غدا كئيباً ساخراً مرتاباً, شديد الخوف والقلق, تستبد به الهواجس والمخاوف, يسيئ الظن بالناس ويخشى على نفسه من شرورهم وغدرهم, وقد كان من آثار ذلك أن يغلق على نفسه الأبواب بعناية شديدة, وبلغ به الخوف وسوء الظن, أنه لم يسلم ذقنه ورقبته لموسى الحلاق أبدا طوال حياته, خوفاً من أن يتآمر مع الآخرين على ذبحه, وظل طيلة حياته لا ينام إلا وسلاحه بجواره محشواً بالرصاص في انتظار من تحدثه نفسه من اللصوص بالسطو عليه, أومن أعدائه المتوهمين بالاعتداء عليه أو قتله .وقد كان مريضاً بالعظمة وكان يرى نفسه هدفاً لتآمر الناس, وأنهم جميعاً يحقدون عليه ويحاولون إيذاءه والتخلص منه. وهذا الإحساس ظل يلازمه طوال حياته.. مما جعله يعيش وحيداً بلا أم, ولا زوجة, ولا ولد, ولا أسرة ولا وطن. ولم يصادق أحداً طوال حياته.. إن رجلاً كهذا ما كان ليصدر عنه فكر سوي, ولا رأي سليم, ولا فلسفة حكيمة, وما ينتظر أن يصدر عنه شيئ من ذلك.

4-قراءاته ودراساته:

إن المزاج الفاسد (( لشوبنهاور ) )ونزعة الحقد والكراهية التي تملأ نفسه, ثم الود المفقود, والعداء الموجود بينه وبين كل عناصر الحياة والأحياء, دفع به إلى اختيار نوعية معينة من الكتب, وكان اختياره منصباً على دراسة بوذا, ثم كتب الديانة الهندية, وكان من آثار ذلك أن ازداد شعوره بالكراهية للعالم, وتعمق لديه الإحساس بأن الحياة شر, وأن الحياة ليس فيها إلا الألم والمرض والشيخوخة والموت.. والديانة الهندية تقوم على أن الحياة قائمة على أنواع من الشرور الطبيعية والخلقية.

كل هذه الأمور التي أشرنا إليها كانت هي العوامل التي أثرت في شخصية الفيلسوف المتشائم الملحد (( شوبنهاور ) ), وطبعت فكرة بهذا الطابع الذي سوف نراه من خلال دراستنا لما يهمنا من أفكاره وأرائه, غير أننا نرى أنه من المفيد في هذا المجال أن نذكر بأن (( شوبنهاور ) )في آرائه التي ذهب إليها لم يكن بدعاً في عصره وبلده. فالزمان والمكان كانا مليئين بمن سبقه ومن لحقه من الملاحدة المتشائمين, غير أنه يبقي لشوبنهاور في ذلك مستوى من الإلحاد والتشاؤم لم يصل إليه أحد, على ما سنرى عند بسطنا فلسفته فيما يلي - بحول الله تعالى..

فلسفة شوبنهاور:

لقد لاحظ شوبنهار أن الوجود يقوم على أساس من الحكمة, والخبرة, والغائية, وأن كل شيئ في الوجود دليل صادق على إدارة الفاعل, وقدرته, وحكمته. وخبرته, وإتقانه.

كما لاحظ أن الوجود كله يمشي على نظام حكيم متقن بديع, وأن له غاية يسعى إليها, وأن لهذه الغاية وسائل, وأن الغاية ووسائلها تنطق بحكمة الفاعل, وتحدث بإتقانه وإبداعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت