فهرس الكتاب
عندما تتشابك اغصان الشجر الكثيف ويتعذر على الناظر ان يعرف كل ورقة لأي غصن تنتمي يسمى هذا مكرا ، والمكر صرف الغير عما يقصده بحيلة وهذه الصفة في تأويلها تأتي تبعا للمستتبع فقد ينوي احد شرا ويصرف الاخر الشر بعمل او بحيلة لابعاد الاذى فيكون المكر محمودا ، وقد يكون المكر من نوع عمل الغير فيكون شريرا ، اما في الايات التي استشهد بها الكاتب فتعرف باللغة العربية باسم المشاكلة او المجانسة ولننظر في الايات لنرى: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) الانفال 30 ورد نص الاية في التدليل على النية المبيتة من قبل كفار قريش ليلة هجرة الرسول الكريم - r - بقتله في فراشه بواسطة مجموعة من ابناء القبائل ضربة واحدة ليتفرق دمه بين القبائل وقد اوحى الله تبارك وتعالى لرسوله الكريم ان اجعل في فراشك الامام علي بن ابي طالب - كرم الله وجهه - واخرج اليهم واتلوا اية من القرأن فتخرج دون ان يروك !!! هذا مكرهم يستهدف القتل ومكر الله ابعاد الاذى عن الرسول الكريم ، فهل مكر الله من جنس مكر الكافرين ، وتأتي كلمة مكر هنا في سياق اللغة من نوع وصف الله لاستهداف القتل بانه مكر لانه دبر بالخفاء وبدهاء فجاء الرد عليهم قي سياق اللغة بالمشاكلة والمجانسة لفعلهم بفعل مختلف .
وحتى لا يقال بأن الاية المستخدمة فريدة في دلالتها سنأخذ اية اخرى للاستشهاد (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ) يونس 21 وفي الاية الكريمة يوضح الحق تبارك وتعالى كيف يتعامل الانسان مع المصيبة التي تحل به واذ هو بعد ان يزيحها الله عنه يمكر بايات الله اي انه يفسر خروجه من المشكلة بانها من فعله وينسى بمكره فضل الله عليه وتاتي كلمة مكر الله كتعبير عن الجزاء الذي ينتظرهم لكفرهم بأيات الله فسمى العقاب مكرا وهو كما سبق القول مجانسة .
والمجانسة في اللغة القرأنية كثيرة الوجوه ومتعددة المقاصد ففي سورة البقره ايه 176 (وَلا يَحسَبنّ الذين كَفَروا أنما نملي لَهُم خيَراً لأنفُسهم إنما نُملي لَهُم ليَزدادوا إثماً وَلَهُم عَذَاب مهين. مَا كَان اللّه لِيذرَ المؤمنين عَلى ما أنتم عَليهِ حَتّى يَميزَ الخَبيث منَ الطّيّب..) تأتي كلمة نملي هنا في موقع الامهال وان اعطاء الفرصة لهم وزيادة ما هم فيه من الكفر هو امهال خير لهم ، انما الهدف الالهي من هذا الاستمهال هو التمييز بين الخبيث والطيب لمصلحة المؤمنين وهذه مجانسة كما في مسألة المكر والاستهزاء التي حاول كاتبنا فريد العصر ان يتلطى خلفها ليصف الله عز وجل بالخداع والمكيدة ، تبارك الله عما يصفون .
وهكذا يبدو واضحا وبشكل جلي ان الكاتب الى جانب قصوره في فهم الدين الاسلامي وتشريعاته وايات قرأنه فهو قاصر لغويا فيأخذ الالفاظ والمسميات على عواهنها مطلقا بذلك احكامه الزئبقية ومفترضا القبول بها كقوانين يجب ان نحتكم اليها في مسار حياتنا ، فقضى بالخلط المتعمد بين المشيئة والامر ، وبين النار والنور ، وبيبن الجن والملائكة ، وبين التسيير والتخيير ، وبين الفرضيات العلمية التى سقطت بتقادم الزمن وبين الحقائق العلمية التي رفض مدلولاتها القرانية مصرا على اتهامنا بالجهل والتخلف حاملا لواء الحضارة الغربية وفكرها وناطقا ومتحدثا بأسمها وحاول الصاق تناقضاته الفكرية بالماركسية مما استدعى تبرؤهم منه فقد أعلن الأستاذ نسيب نمر (في مجلة الأحد/ 29 آذار 1970 - العدد / 972) براءة الماركسية من الدكتور صادق جلال العظم ومن أفكاره، بدعوى أن أفكاره ليست ماركسية بدرجة كافية، وأنه لم يتناول موضوعه تناولاً علمياً صحيحاً .
ان اعتراف المسلمين بضرورة النظر الى الواقع الحالي للعالم والتغيرات التي طرات عليه وبالنظر الى رؤيا تستند في قراءتها على دراسة حقيقية للوقائع تتطلب البدء ومن دون تهاون بعملية تحديث للوعي الديني في شقه التنفيذي القابل للاجتهاد واعادة طرح الصورة الدينية بشكل يخاطب العقول البشرية في مرحلتها الحالية وهو مسار سبقنا اليه الكثير من عظماء الامة فأبدعوا علوما رائعة في العديد من المجالات الدينية والدنيوية لتصبح رسالتنا الكريمة من جديد موضع تقدير العالم وتفهمه ولتعود رؤيتنا للعقيدة على النحو الذي فطرنا الحق تبارك وتعالى عليه منذ بدء الخلق وكما ودعنا وعاهدنا عليه خير البرية محمد بن عبدالله عليه مني افضل الصلاة واتم التسليم .