فهرس الكتاب
وتدور نظرية عبد الرشيد الصادق محمودى على أن إفادة طه حسين الرئيسية فيما يتعلق بشكّه في الشعر الجاهلى مستلهَمة من المستشرق الفرنسى إرنست رينان، الذى يؤكد الأستاذ المحمودى أن الدكتور طه كان على علم، قبل أن يضع كتابه"فى الشعر الجاهلى"بسنوات طويلة، بما كتبه هو ورصفاؤه الألمان عن ذلك الشعر (انظر مقاله"منابع ألمانية وفرنسية لشكوك العميد"بالصفحة الثقافية من"أهرام"الجمعة 8 سبتمبر 1989م) . والأستاذ المحمودى يريد، فيما هو واضح، أن يخفف من التفاف الحبل حول عنق طه حسين. إنه لا ينفى إفادته من كتابات المستشرقين، لكنْ فرقٌ بين إفادةٍ وإفادة: فطه حسين، في حالة ثبوت الإفادة من مرجليوث، سارقٌ سرقةً لا يمكن أبرعَ المحامين أن يبرِّئ ساحته منها، أما في حالة الإفادة من رينان فلن يكون الأمر أمر سرقة، فرينان لا ينكر الشعر الجاهلى، بل تنحصر الإفادة في أن طه حسين قد استخدم الفكرة التى وجدها عنده حسبما قال، لأنى لم أَطَّلِع بنفسى على الدراسة المذكورة (وهى أن ذلك الشعر لا يعكس اختلاف اللهجات العربية في الجاهلية ولا يقدّم لنا صورة الحياة الدينية أوانذاك) استخدمها في نقض الشعر الجاهلى، وعلى هذا فإنه رغم إفادته منه يبقى مفكرًا أصيلاً لا يردِّد آراء غيره. أى أن طه حسين هو ابنُ بَجْدَتها، أو على الأقل صاحب مشاركة أصيلة في الأمر لا سارقٌ يسطو على أفكار الآخرين. وهذا هو مربط الفرس!
وقد أصدر رينان كتابه"Histoi r e Gene r ale et Systeme Compa r e des Langues Semitiques"، الذى تعرَّض فيه للشعر الجاهلى في 1853م (بالنسبة للجزء الأول) ، و1869م (للجزء الثانى) ، كما عَرَض رينيه باسيه آراءَ المستشرقين الألمان حول ذلك الموضوع في كتابه عن"الشعر العربى قبل الإسلام"عام 1880م (انظر، في تاريخ صدور الكتابين، نجيب العقيقى/ المستشرقون/ ط3/ دار المعارف/ 1964م/ 1/ 202، 223. كما يجد القارئ ترجمة لهذه الأبحاث وغيرها من الأبحاث المشابهة في كتاب د. عبد الرحمن بدوى:"دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى") . وبالمناسبة فهاتان الحجتان، أو قل: هاتان الشبهتان، لا تصمدان للنظر، فنحن العرب الآن مثلا نتكلم في حياتنا اليومية اللهجات العامية المختلفة التى كثيرا ما يتعسّر فهمها على غير أصحابها، لكننا حين نكتب نصطنع اللغة الفصحى التى يفهمها الجميع، ولا تعارض بين هذا وذاك، ولا يمكن أن يأتى باحث بعد عدة مئات من السنين فينفى صحة هذا التراث العلمى والأدبى الضخم بحجة أنه لا يعكس ما كنا نتخاطب به من لهجات. ويؤكد هذا أنه سبحانه وتعالى قد وصف القرآن الكريم في أكثر من موضع منه بأنه نزل بـ"لسانٍ عربىٍّ مبين"، ولم يقل:"بلسانٍ قرشىٍّ أو حجازىٍّ"مثلا، وهذا يعنى أنه كان هناك لسانٌ قومىٌّ للعرب جميعا يتواصلون به رغم اختلاف القبائل واللهجات. كما أن القول بخلو الشعر الجاهلى من الموضوعات الدينية هو دعوى غير صحيحة. وحتى لو كانت صحيحة فليس معنى ذلك أن هذا الشعر مزيَّف، فأقصى ما يمكن أن يقال فيه حينئذ أنه شعر ناقص لا أنه شعر زائف. هذا هو حكم المنطق، ولكن خّلِّنا فيما نحن فيه، فذلك موضوع آخر!
وأريد الآن أن أتتبع أفكار رينان والمستشرقين الألمان فيما كتبه المؤلفون المصريون والمتمصِّرون الذين تناولوا ذلك الشعر حتى أخرج طه حسين كتابه المذكور وكانوا متصلين بكتابات المستشرقين وبيئاتهم كى نعرف مدى انتباه النقاد ورجال الأدب لهذه الأفكار واهتمامهم بها. وأقدم هؤلاء، فيما نعرف، حسن توفيق العدل (1862- 1904م) ، الذى كان من أوائل المبعوثين إلى ألمانيا لدراسة الآداب والتربية بجامعاتها، والذى اختاره الألمان للتدريس بالمدرسة الشرقية ببرلين، ثم حاضر بعد ذلك في كمبردج سنة 1903م، وظل هناك حتى سنة 1904م. وقد كتب العدل"تاريخ آداب اللغة العربية"وطبعه على البالوظة عام 1904م، وتوجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب. فإذا ما قرأنا ما كتبه عن الشعر الجاهلى راعَنا أنه لم يكن يدور بذهنه أى شك في ذلك الشعر مع أنه عاشر المستشرقين في أوربا طالبا وأستاذا رَدَحًا من الزمن كما رأينا. وبالنسبة للنقطة الخاصة بلغة الشعر الجاهلى نراه يقول بأن أصحابه كانوا يستعملون لهجة قريش لكونها لغة العرب الأدبية ولحرصهم على شيوع شعرهم بين القبائل العربية جميعا (انظر عبد الحى دياب/ التراث النقدى قبل مدرسة الجيل الجديد/ دار الكاتب العربى/ القاهرة/ 1968م/ 90- 93، ود. عبد العزيز الدسوقى/ تطور النقد العربى الحديث في مصر/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/1977م /183- 186) .