فهرس الكتاب
ولدينا كذلك سليم البستانى مُعَرِّب الإلياذة الذى كتب مقدمة ضافية لها عرض فيها للشعر الجاهلى وقرر وثاقة الطريقة التى انتقل بها، ومن ثم فذلك الشعر منذ المهلهل بن ربيعة صحيح لديه، وإن لم يخل بعضه من النقد والشبهات (وهذا نص عبارته) . وبالمثل نراه يقرِّر أن العرب، وإن اختلفت لهجاتهم، كانوا يؤلفون شعرهم ونثرهم بلهجة قريش لأنها أفصح اللهجات، فضلا عن أن سدانة هذه القبيلة للكعبة كَتَب للهجتها السيادة. كما أكد أن الشعر الجاهلى يصور الحياة العربية في ذلك الوقت أدق تمثيل (انظر ترجمته للإلياذة/ مطبعة الهلال/ 1904م/ 107،111، 120- 121) . ومن هذا يتضح لنا أنه لا يوجد أى انعكاس لشكوك المستشرقين فيما كتب البستانى عن ذلك الشعر. بل إنه لم يذكر أيًّا منهم، اللهم إلا رينان، وفى معرض الثناء على شعر هوميروس مما لا علاقة له بقضية الشك في الشعر الجاهلى البتة (ص24) . والملاحَظ أنه كان مطمئنا تمام الاطمئنان للشعر الجاهلى في ذات الوقت الذى كان يعى فيه أن بعض الدارسين الغربيين في أواخر القرن الثامن عشر كانوا يشكون في وجود هوميروس (ص25) .
ومن هؤلاء المؤلفين المطلعين على كتابات المستشرقين والمتصلين بهم اتصالا مباشرا أيضا جرجى زيدان، الذى تبحث فيما سطّره عن الشعر الجاهلى في كتابه"تاريخ آداب اللغة العربية"المملوء بالمراجع الاستشراقية عن أثر لما كتبه رينان أو نولدكه أو آلفارت عن هذا الشعر ومدى صحته أو عدمها، فلا تجد لشىء من ذلك ظلاًّ أىّ ظل. وحتى في المسألة الفرعية المتصلة بالمعلَّقات وهل عُلِّقت فعلاً على أستار الكعبة أَوْ لاَ نراه يرفض شك المستشرقين في ذلك الأمر. وقد يظن بعض القراء أن جورجى زيدان ربما لم يطَّلع على كتابات أولئك المستشرقين في ذلك الموضوع، فأسارع إلى طمأنتهم بأنه قد ذكر بين مراجعه دراسات هؤلاء المستشرقين الثلاثة وغيرهم حو ل هذا الشعر (انظر كتابه"تاريخ آداب اللغة العربية"/ دار الهلال/ تعليق د. شوقى صيف/ 167) حيث يشير إلى ما كتبه نولدكه وآلفارت ولايال وسلان...إلخ، وكذلك كتابه"العرب قبل الإسلام"/ دار الهلال/ تعليق د. حسين مؤنس/ 35 حيث ذكر كِتَاب رينان الذى نحن بصدده).
أما د. أحمد ضيف، ولعله أول من عَرَض من المصريين لشكّ بعض المستشرقين في الشعر الجاهلى، فإنه لخص موقف هؤلاء المستشرقين من ذلك الشعر وناقشه ورفض ما فيه من غلوّ، ولكنْ في ثلاث فقرات ليس غير. والملاحظ أنه لم يذكر أسماء هؤلاء المستشرقين بل اكتفى بالقول بأنهم"جماعة من المستشرقين، خصوصا الألمانيين منهم". والملاحظ أيضا أنه لم يُسَمّ رينان في هذا السياق، وإنما سماه في سياق آخر، وهو مناقشته لمدى تمتع العرب بالخيال القادر على خلق الخرافات والأساطير أو حرمانهم منه (انظر كتابه"مقدمة لدراسة بلاغة العرب"/ القاهرة/1921م/ 57- 62) .
وإذا كان د. أحمد ضيف هو أول من عرض من المصريين لشك بعض المستشرقين في الشعر الجاهلى فيما أعلم، فإن الرافعى هو أيضا، في حدود ما قرأت وما أذكر، أول من عرض لشك علمائنا القدامى في ذلك الشعر، وذلك في كتابه"تاريخ آداب العرب"، الذى صدر سنة 1911م. أى أن الرافعى قد تعرض لقضية الشك في الشعر الجاهلى قبل طه حسين بنحو خمسة عشر عاما، الرافعى المتَّهَم بتقديس القديم لمجرد أنه قديم ومعاداة الجديد لمجرد أنه جديد. ولكى يكون القارئ على بينةٍ من قيمة ما صنع الرافعى أسوق له وصف د. ناصر الدين الأسد للباب الذى عقده في كتابه لهذا الموضوع، إذ أكد أنه قد"حشد فيه من المادة ما لم يجتمع مثله من قبله ولا من بعده حتى يومنا هذا في صعيد واحد من كتابٍ لمَّ فيه شتات الموضوع من أطرافه كلها واستقصاه استقصاءً"، وإن ذكر أنه لم يتعرض لما قاله المستشرقون في هذا السبيل (د. ناصر الدين الأسد/ مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية/ ط5/ دار المعارف بمصر/ 1978م/ 377) ، وهو ما يشير إلى أن ما كتبه أولئك القوم لم يكن له من الأهمية ما يلفت أنظار كتّابنا في ذلك الوقت.
فماذا عن طه حسين، الذى يزعم عبد الرشيد الصادق محمودى رغم كل ذلك أنه لابد أن يكون قد اطَّلع على ما كتبه رينان والمستشرقون الألمان قبل أن يكتب كتابه"فى الشعر الجاهلى"بأعوام طوال؟ وفى الجواب عن هذا السؤال سوف أتتبع كتابات طه حسين في الفترة الممتدة ما بين دخوله الجامعة المصرية سنة 1908م واتصاله من ثم بالمستشرقين اتصالاً مباشرًا في قاعات الدرس وخارجها إلى تاريخ تأليفه لكتابه:"فى الشعر الجاهلى"، الذى نحن بصدده.