فهرس الكتاب

الصفحة 20446 من 27364

لقد تناول طه حسين كتاب جرجى زيدان"تاريخ آداب اللغة العربية"فى عدة مقالات بمجلة"الهداية" (أعداد يونيه ويوليه، وأغسطس وسبتمبر، وأكتوبر ونوفمبر 1911م) وتعرَّض لبعض ما قاله زيدان حول الشعر الجاهلى، لكن لم تبدر مِنْ فيه كلمةٌ واحدةٌ يحيط بها طائف من الشك في ذلك الشعر، بل إن كلامه ليدل على أنه كان يأخذ صحته قضية مسلَّمة: ففى المقال الأول مثلا لا يخرج ما قاله في ذلك الصدد عن الاعتراض على زيدان لتقسيمه شعراء الجاهلية إلى أمراءَ وفرسانٍ وصعاليكَ وأصحاب معلقات بدلا من تقسيمهم على أساس من أشعارهم وما تتأثر به هذه الأشعار من طبيعة الإقليم والدين والأخلاق والعادات ونحو ذلك، أو الاعتراض عليه بأن زوجة امرئ القيس لم يكن اسمها"جندب"بل"أم جندب". وفى المقال الثانى نراه يتحدث عن امرئ القيس وزهير وابن أم كلثوم وعنترة وغيرهم من أصحاب المعلقات حديث المطمئن تمام الاطمئنان إلى حقيقتهم التاريخية وتمثيل أشعارهم للبيئة التى ظهروا فيها خير تمثيل.

وفى محاضرةٍ ألقاها في 19 شهر أكتوبر من العام نفسه بعنوان"هل تستردّ اللغةُ مجدَها القديم؟"ونُشِرت في المجلة ذاتها في عدد أكتوبر- نوفمبر من ذلك العام نراه يتعرض لشعر الجاهليين بما يدل دلالة جازمة على أنه كان خالى البال تماما من الشك فيه: فهو مثلا يتحدث عن اللغة العربية في الجاهلية مؤكدا أنها لغة فخمة الألفاظ ضخمة المعانى متينة الأساليب رصينة التراكيب كاملة القوى استطاعت أن تعبِّر آدابُها الوجدانية عن كل ما كان العرب يريدون التعبير عنه في أى مجال من مجالات القول، وأن أشعارها تتفوق على الشعر المصرى في عصره، ضاربا مثلا على هذا التفوق من شعر امرئ القيس نفسه، الذى سينفى وجوده فيما بعد في كتابه"فى الشعر الجاهلى"، ومستشهدا على ما يريد تقريره من أفكار وآراء بأشعار الملك الضِّلِّيل وغيره من شعراء الجاهلية كالأعشى وكبشة أخت عمرو بن معديكرب...وهكذا. بل إنه قد عرَّج في تلك الخطبة على ابن سلام وكتابه"طبقات الشعراء"، وهو أول كتاب يؤصِّل نظرية الشك في الشعر الجاهلى، ومع هذا لم يتطرق بكلمة واحدة، ولو همسًا، إلى الكلام عن النَّحْل في ذلك الشعر! ليس ذلك فحسب، إذ نسمعه يقول في الشعر الجاهلى هذه الكلمة الخطيرة الدلالة:"فى ذلكم العصر التهبت جذوة الشعر واستطار شرره فالْتَهَم كلَّ شىء واحتكم في كل إنسان، ولم تكن كلمةٌ إلا له، ولا رأىٌ إلا عنه، ولا اعتمادٌ إلا عليه. وكان يكفى للشاعر أن يمدح الوضيع فيرفعه، أو يذم الرفيع فيضعه، أو يغرى بالحرب فتتهالك النفوس وتتفانى القُوَى، أو يدعو إلى السِّلْم فتصبح الضغائن والأحقاد نَسْيًا منسيًّا". كما تعرّض لابن سلام وكتابه المذكور في مقاله المنشور بـ"الجريدة"فى عدد 17 مايو 1911م بعنوان"الآداب العربية في الجامعة"، لكن دون أن يتطرق إلى قضية الشك في الشعر الجاهلى رغم إشارته البرقية إلى تكذيب ابن سلام لابن إسحاق فيما رواه من أخبار وأشعار عن عاد وثمود وطسم وجديس.

ومعروف أنه قد انتقد في عام 1911م كتاب مصطفى صادق الرافعى"تاريخ آداب العرب"، الذى خصَّص فيه مؤلفه صفحات طويلة لقضية النَّحْل في الشعر الجاهلى، ومع ذلك لا تحس فيما كتبه عن هذا الكتاب أنه كان يدور في خَلَده أى شك في ذلك الشعر. ومعروف كذلك أن هذا الكتاب الذى لم يعجب طه حسين آنذاك قد أعجبه بعد ذلك بخمسة عشر عاما حين أثنى عليه ومدحه في كتابه"فى الشعر الجاهلى". وقد قلت، في تفسير هذا التغير الحاد في موقفه ذاك، إنه أراد أن يخدّر الرافعى حتى لا يتعرض بالنقد لما كتبه عن القرآن والنبى في ذلك الكتاب، وإن هذا التقرب لم يخدع الرافعى فشنّ عليه حملةً صاعقةً (انظر كتابى"معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين"/ القاهرة/ 1987م/ 15- 16) . كما نجده، في كتابه"تجديد ذكرى أبى العلاء"، الذى نشره في عام 1914م، يستشهد بقصيدة للمرقش من"المفضَّليات"استشهادَ مَنْ لا يجد فيها ولا في الشعر الجاهلى ما يمكن أن يثير شكوكه (انظر الكتاب المذكور/ دار الكتاب اللبنانى/ بيروت/ 1974م/ 64) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت