فهرس الكتاب

الصفحة 20447 من 27364

هذا قبل أن يسافر د. طه إلى فرنسا. ثم سافر وعاد، فهل نجد في كتاباته قبل أن يؤلف بحثه"فى الشعر الجاهلى"ما يدل على أنه عَدَل عن موقفه من هذا الشعر بتأثير إقامته في فرنسا عدة سنوات وإتقانه اللغة الفرنسية وزيادة اقترابه من المستشرقين وكتاباتهم؟ الجواب: لا. وربما أعاننا على فهم المسألة أن نعرف أن بعثة طه حسين إلى فرنسا إنما كانت لدراسة التاريخ، وأن الكتب التى ذكر في الجزء الثالث من"الأيام"أنه قرأها هناك لا تتضمن أى شىء يتعلق بالأدب العربى ولا بالشعر الجاهلى على وجه الخصوص، وأن اسم رينان أو نولدكه أو آلفارت لم يرد بين عشرات الأسماء التى وردت في ذلك الكتاب أو في كتاب زوجته"معك"، وهو الكتاب الذى روت فيه حياتها معه، وأن الدكتور طه عندما عاد إلى مصر واشتغل بالتدريس في الجامعة إنما كان يدرّس التاريخ الأوربى القديم حتى العام الدراسى 1925- 1926م حيث تحوَّل إلى تدريس الأدب العربى (الشعر الجاهلى بالذات) ، وأن كل الكتب التى ظهرت للدكتور طه منذ عودته من فرنسا حتى ظهور كتابه"فى الشعر الجاهلى"إنما كانت تتعلق على نحوٍ أو على آخر بالتاريخ الأوربى القديم. ومنها كتابه"صحف مختارة من الشعر التمثيلى عند اليونان" (المكتبة التجارية/ 1920م/ 49) ، وفيه يشير إلى معلقة امرئ القيس إشارة المطمئن تمام الاطمئنان إلى صحتها

ثم كتب بعد ذلك بسنواتٍ طائفةً من المقالات عن الشعرين العباسى والأموى. وقد تعرَّض، في عددٍ من هذه المقالات، للكلام عن الشعر الجاهلى وشعرائه، ولكن بطريقة من يؤمن بصحة هذا الشعر إيمانا تاما ولا يتخيل للحظة أنه يمكن أن يكون موضع شك، مما يقطع بأن كل ما قاله أ. عبد الرشيد الصادق من أن طه حسين لا بد أنه اطّلع على رينان والمستشرقين الذين شكّوا في ذلك الشعر لا يستند إلى أساس. وبالمناسبة لم يَرِدْ لرينان ولا لغيره من المستشرقين الشاكّين في ذلك الشعر أىّ ذكر في هذه المقالات. وإلى القراء الكرام بعضا مما قاله عن الشعر الجاهلى فيها:

1-يقول في مقال منشور بجريدة"السياسة"بتاريخ أول أكتوبر 1924م عن الغزل في صدر الإسلام:"غزل الجاهليين كان ماديا خالصا في حين كان في غزل الإسلاميين شىء غير المادة. ما الذى كان يُعْنَى به امرؤ القيس أو النابغة أو الأعشى إذا تغزّلوا وذَكَروا النساء؟...كان الغزل عندهم ضّرْبًا من الوصف...، وقلما تجد عندهم عناية بالعاطفة أو حرصا على تمثيلها، فإن وَجَدْتَ عندهم هذه العناية لم تلبث أن تزدرى هذه العاطفة ازدراءً لأنها كانت عاطفة مادية غليظة... كانت عواطفهم تصدر عن الشهوات وإيثار اللذة قبل كل شىء".

2-وفى""السياسة"أيضا بتاريخ 17 أكتوبر 1924م، وتحت عنوان"عَوْدٌ إلى الغزلين- وضّاح اليمن"، نسمعه يقول:"أريد أن أحدثك عن هذا الشاعر الذى يلقبونه بـ"وضّاح اليمن"، والذى فُتِن به بعض أساتذة الأدب المُحْدَثين حتى خُيِّل إليهم أنه اخترع الشعر التمثيلى وأضافه إلى تراثنا القديم... ونَسُوا أن الحوار ليس هو التمثيل، وإنما هو أصل من أصول التمثيل، ونَسُوا أيضا أن هذا الحوار الذى يجدونه في شعر وضّاح قد سبق إليه الشعراءُ جميعا في جاهليتهم وإسلامهم، فحاور امرؤ القيس عشيقاته وحاور ابن أبى ربيعة أخدانه"."

3-وفى نفس الجريدة بتاريخ 10 ديسمبر 1924م نجده يؤكد أن شعراء الجاهلية لم يكونوا يُعْنَوْن بالغزل إلا بوصفه"وسيلة شعرية إلى ما كانوا يذهبون فيه من مذاهبهم الشعرية المختلفة. ولا نكاد نعرف بين الجاهليين شاعرا قَصَر حياتَه الشعرية على الغزل. بل قليلٌ جدًّا عددُ القصائد الجاهلية التى لم يتناول فيها أصحابُها إلا الغزلَ وحده".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت