فهرس الكتاب

الصفحة 20448 من 27364

ثم أخيرًا نراه في الفصل الذى خصصه للشاعر الإغريقى هوميروس من كتابه"قادة الفكر"، الذى صدر في إبريل 1925م، وهو نفس الشهر الذى وضع فيه مرجليوث دراسته التى يشك فيها في الشعر الجاهلى جميعه، نراه يستطرد للمقارنة بين بداوة اليونان وأشعارها وبين بداوة عرب الجاهلية وأشعارهم، فلا نجده يشك في أشعار الجاهلية أى مقدار من الشك، بل يؤمن بها ويؤكد أنها أساس حضارة الإسلام، ولولاها ما كان الخلفاء والعلماء والقواد المسلمون. وقد ألحَّ على هذه الفكرة إلحاحًا كبيرا، في الوقت الذى ذكر معها شكَّ بعض الباحثين الأوربيين المحدثين في وجود هوميروس. وهذا نص عبارته:"عَلاَمَ تقوم الحياة العربية في بداوة العرب وأو ل عهدهم بالإسلام؟ على الشعر... هل كانت توجَد الحضارة الإسلامية التى ظهر فيها مَنْ ظهر مِنَ الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال لو لم توجَد البداوة العربية التى سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والأعشى وغيرهم من الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم؟" (قادة الفكر/ ط9/ دار المعارف بمصر/ 10- 11) . والعجيب أن طه حسين، في رده بعد ذلك على من انتقدوا غُلُوّه في الشك في الشعر الجاهلى، قد احتجّ عليهم بأنهم يجهلون أن النحل غير مقصور على العرب، بل عرفه اليونان والرومان، وأن الدراسات الحديثة قد نسفت اطمئنان الأقدمين إلى صحة إلياذة هوميروس وأوديساه (فى الأدب الجاهلى/ دار المعارف/ 1964/ 113- 116) . وفاته أنه هو نفسه كان يعرف ذلك قبلا، لكنه لم ينتفع به، إذ ظل على اطمئنانه إلى الشعر الجاهلى إلى أن ظهرت دراسة مرجليوث.

ظل هذا هو موقف طه حسين، كما قلنا، حتى إبريل 1926م على الأقل، وهو الشهر الذى كتب فيه مرجليوث مقاله الذى يشكك به في الشعر الجاهلى، والذى نشره في يوليه من ذلك العام، وإذا بالدكتور طه بعد هذا المقال بنحو عشرة أشهر يصدر كتابه"فى الشعر الجاهلى"مستديرا بزاوية مقدارها مائة وثمانون درجة، إذ انطلق كالإعصار الهائج يشكّ في ذلك الشعر لا يكاد يُبْقى منه على شىء. ويتساءل الباحث: ترى ما الذى جَدّ؟ والجواب: لم يَجِدّ إلا مقال مرجليوث، فكتاب رينان قد مَرَّ عليه عشرات الأعوام، فضلاً عن أنه لم يشكّ في ذلك الشعر، وأقل قليلا من ذلك الزمن مرّ على ما كتبه نولدكه وآلفارت وباسيه، وليس فيه اختلاف يُذْكَر عما قاله نقادنا القدماء. كما مرَّت خَمْسُ سنواتٍ على صدور كتاب أحمد ضيف، الذى لم يكن فيه مع هذا ما يثير العقل العربى لعدم خروج آراء المستشرقين التى عرض لها عما وصلَنا من نقادنا القدماء خروجًا لافتًا حسبما سبق القول، علاوة على أن الدكتور ضيف لم يفصّل القول في عَرْض تلك الآراء التى كان قد مضى عليها فوق ذلك زمن طويل، بل عرضها في ثلاث فقرات ليس إلا. أما مقال مرجليوث فقد كان طازجا، وكان له دوىٌّ شديد بسبب إغراقه في التطرف، فضلاً عن أن موقف طه حسين وأفكاره في كتابه عن الشعر الجاهلى يشبهان إلى حد كبير موقف مرجليوث وأفكاره.

وحَرِىٌّ بالذِّكْر أن مرجليوث، الذى دافع عن طه حسين وحاول أن ينفى تهمة تأثره به كما سنبين بعد قليل، لم يقل إن د. طه قد انطلق من رينان أو نولدكه أو آلفارت. بل إن الدكتور طه هو نفسه لم يقل هذا، ولا قالته زوجته بعد مرور عشرات السنين رغم أنها خاضت في هذه القضية في كتابها"معك"فى أكثر من موضع، ولا قاله كذلك أى من الباحثين الذين تناولوا هذه القضية، وكثير منهم تلاميذه، ولا قاله أيضا أحد من المستشرقين الذين تناولوا هذا الجانب من كتابات الدكتور طه مما يمكن أن يجد القارئ عينة منه في كتاب"طه حسين كما يعرفه كتّاب عصره". كما أن معظمهم يربطون بينه وبين مرجليوث حسبما بينتُ في كتابى"معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين". إنما تحكَّك هو بعد ذلك بالأخوين كروازيه ليدفع اتهامه بالسرقة من مرجليوث، والأخوان كروازيه لا علاقة لهما بالشعر الجاهلى، بل بالشك في شعر هوميروس، وقد رأينا كيف ظل الدكتور طه على ما هو عليه من الاطمئنان التام لشعر الجاهلية وشعرائها حتى بعد قراءته ما كتبه هذان الأخوان، بل حتى بعد أن كتب هو الفصل الخاص بذلك الشاعر الإغريقى الذى كانا يشكان فىوجوده. ولو كان منطلقه من رينان لسارع إلى ذكر هذا منذ البداية، لأن ديَْدَن الدكتور طه أن يصرح بمن يخالفهم في الرأى، أما من يقتبس أفكارهم فإنه يغفلهم تماما، وموقف رينان وأفكاره يختلفان عن موقفه هو وأفكاره، فوق أن المستشرقين قد ذكروا استمداد د. طه لأفكاره من مرجليوث، ولم يشيروا إلى رينان أو غيره، ومنهم المستشرق الألمانى بروكلمان في كتابه عن تاريخ الأدب العربى (كارل بروكلمان/ تاريخ الأدب العربى/ دار المعارف/ 1/ ترجمة د. عبد الحليم النجار/ 64) . وقد كان أحرى به، لو كان طه حسين قد تأثر بنولدكه أو آلفارت الألمانيين، أن يذكر هذا التأثر انطلاقا على الأقل من اعتزازه بألمانيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت