فهرس الكتاب

الصفحة 20453 من 27364

ولقد قيل كلامٌ كثيرٌ وكبيرٌ عن الشك الديكارتى، الذى اتخذه طه حسين، حسبما يدّعى مشايعوه، منهجا في هذا البحث لتحرير العقول من الجمود ومن تقديس القديم لمجرد كونه قديما. إلا أن الذين يطنطنون بهذا الكلام يَنْسَوْن أن طه حسين لم يُحْسِن استخدامَ هذا المنهج، ومن ثم فاته الانتفاع به كما ينبغى، إذ لم يكن يشك إلا في الروايات التى لا تعجبه ولا تؤدى إلى ما يريد تقريره منذ البداية، أما الروايات التى يرى أنها مُبْلِغَتُه غايتَه من التشكيك في الشعر الجاهلى والإساءة إلى القرآن والدين فإنه يقبلها بعُجَرها وبُجَرها دون أى تمحيص حسبما لاحظ الرافعى رحمه الله (مصطفى صادق الرافعى/ تحت راية القرآن/ ط3/ مطبعة الاستقامة/ القاهرة/ 1953م/175) . وفى كتابى"معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين"استطعت، من خلال النصوص التى اقتطفتُها من كتاب"فى الشعر الجاهلى"، أن أبين أن الدكتور طه لم يهضم أصلاً منهج الفيلسوف الفرنسى، كما أنه لم يطبق إلا جانبًا واحدا فحسب من جوانبه المتعددة (معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين/ مطبعة الفجر الجديد/ القاهرة/ 1987م/ 105- 115) .

والآن نترك القارئ مع النصين التاليين اللذين تعرض في أولهما الدكتور طه حسين بحماقةٍ وغشمٍ للقرآن الكريم متهمًا إياه بأنه قد استعان بالأساطير الكاذبة بغرض التقرب من اليهود، وفى ثانيهما للرسول عليه السلام يغمز منه ومن الإجلال الذى يشعر المسلمون به تجاهه ويحاول دون أى أساس أن يقلل من شأن صلى الله عليه وسلم !!!! وقد حُذِف هذان النصان من الطبعة الثانية من كتابه"فى الشعر الجاهلى"سنة 1927م بعد أن غُيِّر عنوانُه وسُمَِىَ:"فى الأدب الجاهلى". وبطبيعة الحال لا يمكن أن يردّد هذا الكلامَ من يؤمن بأن القرآن وحى من عند رب العالمين أو يشعر بالتبحيل للنبى الذى نزل عليه: فالله لا يصطنع الأساطير لأغراض سياسية أو غير سياسية، ولا هو بحاجة للتقرب من اليهود أو الأمريكان، كما أن الرسول الكريم كان في الذؤابة من قومه نسبًا وشرفًا كما قالت كلمة التاريخ!!!! وقد نقلنا هذين النصين من أحد المواقع التى تظن أنها تستطيع أن تحارب الإسلام بكتاب الدكتور طه وتهزمه!!!! نقلناهما حتى يتبين الحقُّ من الباطل ويعرف القاصى والدانى ما في كلام الذين يشنّون الغارة على ناقدى الدكتور طه من مكرٍ والتواءٍ حين يقولون إن الرجل لم يتعرض للقرآن ولا للنبى بشىء، وإن من ينتقدونه إنما يرددون كلاما لا أصل له!!!!

الشعر الجاهلي واللغة

على أن هناك شيئا آخر يحظر علينا التسليم بصحة الكثرة المطلقة من هذا الشعر الجاهلي ، ولعله أبلغ في اثبات ما نذهب اليه . فهذا الشعر الذي رأينا أنه لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين بعيد كل البعد على أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه والأمر هنا يحتاج إلى شيء من الروية والأناة . فنحن إذا ذكرنا اللغة العربية نريد بها معناها الدقيق المحدود الذي نجده في المعاجم حين نبحث فيها عن لفظ اللغة ما معناه ، نريد بها الألفاظ من حيث هي ألفاظ تدل على معانيها ، تستعمل حقيقة مرة ومجازا مرة أخرى ، وتتطور تطورا ملائما لمقتضيات الحياة التي يحياها أصحاب هذه اللغة .

نقول أن هذا الشعر الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية . ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ما هي ، أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه . أما الرأي الذي اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه فهو أن العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية منازلهم الأولى في اليمن ، وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز .

وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية فهم العاربة ، وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابا ، كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية ، ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت لغتهم الأولى من صدورهم وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة . وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبهم باسماعيل بن ابراهيم . وهم يروون حديثا يتخذونه أساسا لكل هذه النظرية ، خلاصته أن أول من تكلم بالعربية ونسى لغة أبيه اسماعيل بن ابراهيم .

على هذا كله يتفق الرواة ، ولكنهم يتفقون على شيء آخر أيضا أثبته البحث الحديث ، وهو أن هناك خلافا قويا بين لغة حمير (وهي العرب العاربة) ولغة عدنان (وهي العرب المستعربة) . وقد روى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا .

وفي الحق أن البحث الحديث قد أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية ، واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذا البلاد . ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من اثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف أيضا . وإذن فلابد من حل هذه المسألة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت