فهرس الكتاب
والحق الذى لا جدال فيه، مع احترامى الشديد للدكتور العشماوى ورغم حبى لقراءة طه حسين واستمتاعى بأسلوبه وصوته، هو أنه كان هناك نقاد كبار سبقوا أو عاصروا طه حسين وأضافوا مثلما أضاف في حقل النقد والدراسات الأدبية، وفى بعض الحالات أفضل مما أضاف، ومنهم حسن توفيق العدل وإبراهيم اليازجى وجرجى زيدان والرافعى وأمين الريحانى وروحى الخالدى وخليل سكاكينى ومحمد حسين هيكل ومحمد لطفى جمعة وأحمد ضيف وميخائيل نعيمة والعقاد وشكرى والمازنى وزكى مبارك وأمين الخولى ومحمد فريد الشوباشى وأحمد حسن الزيات وتوفيق الحكيم...إلخ. فضلا عن أن طه حسين لم يكن هو الذى افترع قضيةَ النَّحْل في الشعر الجاهلى حتى نغضّ الطَّرْف عن خطاياه العلمية والمنهجية والأخلاقية الضخمة التى ارتكس فيها وهو يتناول ذلك الموضوع كما بينتُ في كتابى"معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين"، فقد سبقه من القدماء أبو عمرو بن العلاء وأبو عمرو الشيبانى والأصمعى وأبو عبيدة والسجستانى والجاحظ وابن قتيبة، ناهيك عن ابن هشام فى"السيرة النبوية"، وكذلك ابن سلام في كتابه"طبقات الشعراء"، الذى تناول فيه هذه المسألة باستفاضة ومنهجية منضبطة تدلان على أستاذية وتمكن حقيقى لا بهلوانية فارغة كلّ همها إحداثُ الضجيج والضحك على ذقن الجمهور. كما سبقه من المحدثين مصطفى صادق الرافعى، الذى عرض في كتابه"تاريخ آداب العرب"ذلك الموضوعَ عَرْض البصير الخبير الذى يزن كل كلمة من كلامه بميزانٍ دقيقٍ واعٍ حساس، فضلا عمن طَرَق من المستشرقين تلك القضية كما سبق أن أشرنا. وقد فصل القولَ في هذه النقطة د. ناصر الدين الأسد في الفصل الثانى والثالث والرابع من الباب الرابع من كتابه"مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية". والطريف أننى بعد أن كتبتُ هذه الفقرة بيومين رجعتُ إلى كتاب د. السكوت ود. جونز عن مؤلفات طه حسين فوجدتهما يقولان ما قلته، بل ويذكران أيضا عددا من الأسماء التى ذكرتُها مما يؤكد كلامى بأن إسهام طه حسين في مجال الدراسات الأدبية والنقدية لم ينشأ في فراغ (انظر كتابهما"أعلام الأدب المعاصر في مصر"/ 27- 30) .
ولعل هذا الموضع أن يكون مناسبا لعرض دفاع د. عبد الرحمن بدوى ومشايعه سامح كريم عن طه حسين. ذلك أن الدكتور طه، في رأيهما، لم يأت إلا بما أتى به ابن سلام الجُمَحِىّ في كتابه"طبقات الشعراء"، وعلى هذا فليس ثمة معنى للضجة التى قوبلت بها آراء الدكتور طه ولا لاتهامه بالمروق والانسياق وراء مؤامرات المستشرقين (انظر د. عبد الرحمن بدوى/ دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى/ دار العلم للملايين/ 1979م/ 10- 11، ومقال سامح كريم في ذات الموضوع بالصفحة الثقافية بـ"أهرام"الجمعة 17 يناير 1986م) . وجوابنا على هذا هو أن كلام ابن سلام، بفرض أن طه حسين لم يقل شيئا أكثر مما قاله، كان بين يدى الدكتور طه كما بيّنّا قبلاً، فلماذا لم يتأثر به إلا بعد ظهور دراسة مرجليوث؟ بل لقد عرض الرافعى هذه القضية عرضًا مستقصيًا كما رأينا قبل قليل، فكيف لم يلتفت طه حسين إلى ما كتب الرافعى أيضا وظل غافلا عن هذه القضية إلى أن ظهرت دراسة مرجليوث؟ كذلك هناك فرق هائل بين ما قاله ابنُ سلام المدققُ المحققُ المستأنى في بحثه وحكمه، الواضعُ نصب عينيه بلوغَ الصواب لا التزلفَ إلى أعداء الإسلام، وإثارةَ الضجيج والعجيج والبلبلة دون وجه حقٍّ أو عدل،ٍ والتقحّمَ في مجال التشكيك في القرآن الكريم واتهامِه بالكذب وبمراءاة اليهود والرغبةِ في التقرب إليهم، وبين ما كتبه طه حسين بما فيه من مآخذ قاتلة! ثم إن ابن سلام إنما يشك في بعض الشعر الجاهلى، وحين تتوفر لديه فقط دواعى هذا الشك، أما طه حسن فينثر الريبة في كل هذا الشعر تقريبا بناءً على خطرات غير ناضجة وأوهام، فضلا عن أنه قد أثار مسائلَ لم يتطرق إليها ابن سلام كقضية اختلاف اللهجات بين القبائل واتخاذها تكأة للتشكيك في الشعر الجاهلى، وكذلك الزعم بأن ذلك الشعر لا يعكس عقائد أصحابه...إلخ، فكيف بالله يقال إن هذا هو ذاك؟ وقد انتهى الأمر بهذه الأوهام والخطرات المتهافتة إلى أَنْ هجرها الدارسون ولم يعد أحد يردد شيئا من الكلام الساذج الذى زعمه طه حسين في كتابه وأصبح من مخلَّفات الماضى لا يجد من يقبل عليه أو يعيره أُذُنًا رغم الجهود الهائلة التى يبذلها المطبّلون والمزمّرون لإحياء العَظْم الرَّمِيم! وقد وصف د. حمدى السكوت ود. مارسدن جونز ما ورد في كتاب الدكتور طه من آراء بأن بعضها مأخوذ من النقاد العرب القدامى، بينما معظمها للمستشرقين، وليس له شىء فيها تقريبا (انظر كتابهما"أعلام الأدب المعاصر في مصر"/ 20) .